بين عالم ينهار وعالم يتشكل.. بقلم: شحاته زكريا

0

لم يعد العالم الذي نعيش فيه يشبه العالم الذي عرفناه قبل سنوات قليلة…الأشياء التي بدت ثابتة أصبحت قابلة للتغيير والتحالفات التي ظننا أنها دائمة أصبحت تخضع للحسابات والمصالح والحدود التي كانت تفصل بين السياسة والاقتصاد والأمن والتكنولوجيا بدأت تتلاشى كأن العالم يقف الآن أمام بابين في الوقت نفسه باب يغلق على مرحلة قديمة وباب يفتح على مرحلة لم تتضح ملامحها بعد.. وهنا تكمن خطورة اللحظة…فنحن لا نعيش فقط أزمة جديدة من أزمات التاريخ وإنما نعيش مرحلة انتقال .. والفترات الانتقالية هي الأصعب دائما لأنها تسقط القواعد قبل أن تولد قواعد بديلة وتربك التحالفات قبل أن تستقر وتمنح الفرص لمن يحسن قراءة المشهد بينما تترك المترددين على هامش الصورة.
انظر حولك. الحرب لم تعد مجرد جيوش تتحرك على الأرض.. أصبحت أسعار الطاقة جزءا من المعركة وسلاسل الإمداد سلاحا والعقوبات الاقتصادية أداة ضغط والتكنولوجيا ميدانا للتنافس والمعلومة نفسها واحدة من أهم أدوات القوة.. لم تعد الدولة القوية هي التي تستطيع الدفاع عن حدودها فقط وإنما التي تستطيع أيضا أن تحمي اقتصادها وتؤمن احتياجاتها الأساسية وتحافظ على قدرتها على اتخاذ قرارها في عالم شديد التقلب.. وهذا التحول لم يحدث فجأة.. منذ سنوات والعالم يتحرك تدريجيا من فكرة النظام الدولي الواحد إلى مساحة أكثر تعقيدا تتنافس فيها قوى كبرى وتبحث فيها قوى صاعدة عن مكان وتحاول دول متوسطة أن تحافظ على استقلال قرارها دون أن تخسر علاقاتها مع أحد…الولايات المتحدة ما زالت قوة كبرى والصين تصعد اقتصاديا وتكنولوجيا وروسيا تحاول تثبيت نفوذها وأوروبا تبحث عن صيغة أكثر استقلالا بينما تتحرك دول أخرى، من الهند إلى دول الخليج لبناء أدوار أكبر من حجمها التقليدي.. وفي وسط هذا كله تتغير قواعد اللعبة.
لم يعد السؤال فقط: من يملك أكبر جيش؟ بل من يملك الطاقة؟ ومن يملك الغذاء؟ ومن يملك التكنولوجيا؟
ومن يستطيع إنتاج ما يحتاجه بدلًا من انتظار وصوله من الخارج؟ ومن يملك الإنسان القادر على التعامل مع عالم لا يتوقف عن التغير؟ هذه الأسئلة ستحدد شكل القوة خلال السنوات المقبلة أكثر مما تحدده الخطب السياسية.
ولعل أخطر تحول يحدث الآن هو أن الاقتصاد نفسه أصبح جزءا مباشرا من الصراع فالدولة التي تنتج وتصدر وتمتلك عملة قوية وتكنولوجيا متقدمة تستطيع أن تضغط دون أن تطلق رصاصة واحدة والدولة التي تعتمد على الاستيراد في احتياجاتها الأساسية قد تجد نفسها في أزمة بمجرد أن تتغير الأسعار أو تتعطل خطوط النقل أو تتوتر العلاقات الدولية.. لقد أصبح الأمن الاقتصادي جزءا من الأمن القومي.
وهذا درس لا ينبغي أن نحتاج إلى أزمة جديدة كي نفهمه.
ثم جاءت التكنولوجيا لتضيف طبقة أخرى من التعقيد.
الذكاء الاصطناعي على سبيل المثال لم يعد موضوعا يخص شركات التكنولوجيا وحدها إنه يدخل إلى الصناعة، والتعليم، والطب، والإعلام، والبحث العلمي، والدفاع، والخدمات.
ومن يملك المعرفة سيملك جزءًا مهمًا من النفوذ وهنا لا تصبح القضية أن نستخدم التكنولوجيا الحديثة وإنما أن نمتلك القدرة على إنتاجها وتطويرها وتطويعها لخدمة احتياجاتنا. وهذا يعيدنا إلى الإنسان.إلى التعليم.إلى الجامعة.
إلى المدرسة. إلى الشاب الذي يجلس اليوم أمام شاشة صغيرة بينما العالم كله يعيد تعريف معنى العمل والمهارة والفرصة.. إذا لم ننتبه إلى ذلك فقد نجد أنفسنا أمام عالم جديد بأدوات قديمة…وهذه ليست مشكلة تقنية…إنها مشكلة مستقبل.. لكن وسط كل هذه المخاوف توجد حقيقة أخرى ربما لا نلتفت إليها بما يكفي: كل مرحلة انتقالية تحمل فرصا بقدر ما تحمل مخاطر.. حين تتغير موازين القوة تظهر مساحات جديدة للحركة.. والدول التي تعرف كيف تستثمر موقعها، ومواردها، وسكانها، وعلاقاتها، يمكنها أن تصعد في الترتيب الجديد.. وهنا تأتي أهمية مصر.. مصر ليست مجرد دولة تراقب ما يحدث.. هي موجودة في قلب الجغرافيا التي تتقاطع فيها طرق التجارة والطاقة والسياسة قناة السويس ليست مجرد ممر مائي والموقع الجغرافي ليس مجرد ميزة على الخريطة والسوق المصرية ليست مجرد عدد كبير من السكان…كل ذلك يمكن أن يتحول إلى قوة حقيقية إذا ارتبط بالإنتاج والاستثمار والتكنولوجيا والتعليم والصناعة.
لكن الفرص لا تتحول إلى نتائج بمجرد امتلاكها.. الموقع يحتاج إلى اقتصاد قوي.. والسوق تحتاج إلى إنتاج.
والشباب يحتاج إلى مهارات.. والطموح يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تحويله إلى واقع.. وهنا تحديدا يجب أن نتوقف عن النظر إلى التحولات العالمية باعتبارها أخبارا بعيدة عنا.
ما يحدث في العالم يصل إلينا في صورة سعر سلعة أو تكلفة نقل أو فرصة استثمار، أو وظيفة، أو قرار اقتصادي.. العالم أصبح غرفة واحدة تقريبا.. وما يحدث في آخر الخريطة قد يصل أثره إلى بيت في قرية صغيرة خلال أيام.. لكن هناك شيئًا آخر يجب ألا ننساه…العالم الذي ينهار أمامنا ليس كله سيئا..فيه أخطاء، واحتكارات، وصراعات، وتفاوتات، لكنه أيضا صنع تقدمًا هائلا في العلم والتكنولوجيا والاتصال.
والمطلوب ليس أن نبكي على عالم يرحل وإنما أن نتعلم من أخطائه قبل أن نشارك في بناء العالم الجديد.. فالمستقبل لن يكون نسخة محسنة من الماضي.. هذه نقطة يجب أن نفهمها جيدا.. الوظائف ستتغير.. الصناعات ستتغير.. طرق التعليم ستتغير.. حتى مفهوم القوة والنفوذ سيتغير.. ومن يصر على أن يعيش بعقل الأمس في عالم الغد سيجد نفسه متأخرا حتى لو امتلك أفضل الإمكانات…نحن أمام لحظة تحتاج إلى هدوء أكثر من الانفعال وإلى رؤية أبعد من الخبر العاجل.
لا ينبغي أن نخاف من التغيير لكن لا ينبغي أيضا أن نستهين به…علينا أن نعرف ماذا نريد من العالم الجديد قبل أن يبدأ الآخرون في تحديد مكاننا فيه…فالتاريخ لا يمنح المقاعد الأمامية لمن ينتظر طويلا.. يعطيها لمن يستعد ربما ينهار جزء من العالم الذي عرفناه وربما تتشكل أمامنا خريطة مختلفة تماما.. لكن المسألة في النهاية ليست في انهيار القديم وحده ولا في ولادة الجديد وحدها…المسألة في المكان الذي سنختاره لأنفسنا بين الاثنين .. هل نكتفي بالمشاهدة؟ هل ننتظر حتى تستقر قواعد اللعبة ثم نبحث عن مكان لنا؟ أم نبدأ من الآن في بناء اقتصاد أقوى وإنسان أكثر معرفة، وصناعة أكثر قدرة، وعلاقات أكثر توازنا ومؤسسات أكثر استعدادا؟ ذلك هو السؤال الحقيقي.
لأن التاريخ لا يتوقف حتى نقرر.. والعالم لا ينتظر حتى نكون مستعدين…بين عالم ينهار وعالم يتشكل لا تكون أخطر خسارة أن يتغير العالم من حولنا… بل أن يمر التغيير كله أمام أعيننا ثم نكتشف متأخرين أننا لم نكن جزءا منه.