جمهورية «جيب المواطن»
كتبت : ابتسام مصطفى
في عالمٍ مواز بعيدٍ عن خرائط الجغرافيا و قريبٍ جدًا من خرائط الواقع ، تقع دولة عجيبة اسمها «جمهورية جيب المواطن».
دولة لم تحتج إلى بترول ولا ذهب ولا مناجم ؛ فقد اكتشفت منذ البداية أن لديها موردًا أكثر وفرة : المواطن نفسه .
في « جمهورية جيب المواطن»، الحكومة تبني، والمواطن يمول . الحكومة تستثمر ، والمواطن يدفع . الحكومة تحقق الأرباح، والمواطن يصفق . ثم يعود إلى منزله ليكتشف أن ما تبقى من راتبه لا يكفي حتى للتصفيق.
هناك، لم تعد المشروعات الحكومية تُقاس بحجم ما تقدمه للناس، وإنما بحجم ما تستطيع تحصيله منهم.
كل مشروع يبدأ بجملة براقة عن التنمية وتحسين جودة الحياة، و ينتهي برسوم جديدة
طريق جديد ؟ رسوم استخدام
كوبري جديد؟ مقابل عبور
خدمة جديدة؟ مقابل خدمة
تطوير للخدمة؟ مقابل تطوير الخدمة
وإذا لم تتحسن الخدمة ، فلا مشكلة … فالرسوم لا علاقة لها بجودة الخدمة ، وإنما لها علاقة بضرورة تمويل المشروع .
وهكذا اكتشفت الجمهورية معادلة اقتصادية مذهلة :
المواطن يمول المشروع، ثم يدفع مقابل استخدام المشروع، ثم يمول المشروع الذي سيحل محل المشروع الأول الذي فشل و لكننا لن نقر الحقيقة .
أما الحكومة، فتظل مشغولة بتعظيم الإيرادات .
وفي «جمهورية جيب المواطن» حتى الكلمات أصبحت لها وظيفة تجميلية ؛ فالزيادة ليست زيادة ، وإنما «إعادة هيكلة للتسعير» والرسوم ليست رسومًا ، بل «مقابل انتفاع»، والأعباء ليست أعباءً، وإنما «مساهمة مجتمعية»
المهم أن المواطن هيدفع اما اسم ما يدفعه ، فهذه مسألة لغوية لها مليون بديل
ولأن الجمهورية تؤمن بالاستثمار، فقد تحولت الصحة والتعليم والنقل والسكن والخدمات إلى مشروعات اقتصادية و ليست خدمية
المشكلة الوحيدة أن كل المستثمرين ينتظرون عائدًا على استثماراتهم إلا المواطن هو الوحيد الذي يمول المشروع ولا يحصل على الأرباح ، ويدفع ثمن الخدمة ولا يملكها ، ويساهم في بناء المستقبل بينما يقضي حاضره في محاولة النجاة من آخر الشهر.
وفي نهاية كل عام، تقيم الحكومة احتفالًا ضخمًا تعلن فيه ارتفاع الإيرادات ، وزيادة الاستثمارات ، ونجاح المشروعات ، وتحسن المؤشرات.
وفي مكان آخر من الجمهورية، يجلس مواطن أمام ماكينة الصراف الآلي يضع بطاقته الراتب
تظهر على الشاشة:
«الرصيد غير كافٍ.»
يبتسم.
ثم يعيد المحاولة.
النتيجة نفسها.
فيضحك ضحكة قصيرة، تلك الضحكة التي لا تعرف إن كانت سخرية أم استسلامًا.
فحين يطول الضغط، يتحول البكاء أحيانًا إلى نكتة.
وهكذا تستمر «جمهورية جيب المواطن» في بناء اقتصادها العظيم :
الحكومة تنشئ، المواطن يمول .
الحكومة تربح ، المواطن يدفع .
الحكومة تحتفل ، والمواطن يحاول أن يكمل الشهر .
وفي كل مرة ينفد فيها المال، تبحث الدولة عن مورد جديد.
لكنها لا تحتاج إلى البحث طويلًا. فالمورد أمامها :
اسمه المواطن.
ولذلك ربما كان أعظم إنجاز اقتصادي حققته جمهورية «جيب المواطن» أنها لم تكتشف حقل بترول جديدًا
بل اكتشفت أن جيب المواطن يمكن أن يكون حقلًا لا ينضب، بشرط أن يظل المواطن قادرًا على الوقوف.
أما إذا سقط يومًا من شدة ما دفع فربما تكتشف الجمهورية أن لديها مشكلة صغيرة:
لقد استنزفت المشروع الوحيد الذي كانت تعتمد عليه و اصبحت فى اشد الاحتياج الى التنقيب عن مواطن جديد
