خرائط تُرسم…وأقدار تتغير ..بقلم: شحاتة زكريا

0

لم يعد العالم كما عرفناه قبل سنوات قليلة. فالخرائط التى كانت تبدو ثابتة لعقود أصبحت اليوم تتحرك تحت أقدام الجميع ليس بالضرورة بتغيير الحدود وإنما بتغيير موازين القوة، ومسارات النفوذ، ومفاهيم الأمن، وحتى أولويات الدول. نحن لا نعيش مجرد مرحلة مضطربة، بل نعيش لحظة تاريخية يعاد فيها ترتيب العالم وتكتب فيها فصول جديدة من السياسة الدولية.. ولعل أخطر ما فى هذه المرحلة أن كثيرا من التحولات لا تعلن رسميا بل تتشكل بصمت. اتفاق هنا وتحالف هناك وأزمة تدار فى مكان وتسوية تصاغ فى مكان آخر حتى يكتشف العالم بعد سنوات أن الخريطة التى كان يعرفها لم تعد هى نفسها وأن موازين الأمس لم تعد تصلح لقراءة اليوم.. من يراقب ما يجرى فى الشرق الأوسط يدرك أن المنطقة لم تعد ساحة لصراعات تقليدية بل أصبحت نقطة ارتكاز فى معادلة دولية معقدة. فالحروب لم تعد مجرد مواجهة بين جيشين بل أصبحت صراعا على الطاقة والممرات البحرية، والتكنولوجيا، والمعلومات، والنفوذ الاقتصادى، والقدرة على صناعة القرار.. وفى خضم هذا المشهد تتغير أقدار الدول بقدر ما تمتلك من رؤية لا بقدر ما تمتلك من شعارات. فالدولة التى تقرأ المستقبل جيدا تستطيع أن تحول الأزمات إلى فرص بينما تظل الدولة التى تكتفى بردود الأفعال أسيرة ما يفرضه الآخرون عليها.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الجغرافيا وحدها لا تصنع المكانة وأن التاريخ وحده لا يضمن البقاء فى دائرة التأثير. فهناك دول صغيرة المساحة، لكنها حاضرة فى كل معادلة لأن لديها اقتصادا قويا ومؤسسات كفؤة ورؤية واضحة. وهناك دول كبيرة الإمكانات لكنها غابت عن المشهد لأنها لم تستعد جيدا لعالم يتغير كل يوم.. والحقيقة التى لا يمكن تجاهلها أن القوة فى القرن الحادى والعشرين أصبحت مفهوما أكثر تعقيدا. لم تعد تقاس بعدد الجنود فقط ولا بحجم الترسانة العسكرية وحدها بل أصبحت ترتبط بقوة الاقتصاد وكفاءة التعليم، وتطور التكنولوجيا وامتلاك المعلومات وقدرة الدولة على اتخاذ القرار فى التوقيت المناسب.. ومن هنا فإن ما تشهده المنطقة ليس مجرد صراع على الحاضر بل سباق على المستقبل. فكل دولة تحاول أن تؤمن موقعها فى عالم جديد تتغير فيه قواعد النفوذ بسرعة غير مسبوقة. ومن يتأخر فى قراءة المشهد قد يجد نفسه خارج حسابات الغد.
أما مصر فإن موقعها الجغرافى وتاريخها وثقلها السياسى يجعلها دائما طرفا مهما فى معادلات المنطقة لا لأنها تبحث عن دور بل لأن موقعها يفرض عليها هذا الدور. ولهذا فإن الحفاظ على الاستقرار وتعزيز قدرات الدولة وتنمية الاقتصاد، وبناء الإنسان ليست ملفات منفصلة بل حلقات فى منظومة واحدة هدفها حماية الوطن فى عالم لا يعترف إلا بالدول القادرة…لكن وسط كل هذه التحولات يظل الإنسان هو العامل الحاسم. فالمشروعات يمكن بناؤها والتحالفات يمكن أن تتغير أما الوعى فهو الذى يمنح المجتمع القدرة على فهم ما يجرى بعيدا عن الانفعال أو الشائعات. فالأوطان لا تواجه التحديات بالقوة وحدها بل بعقول تعرف كيف تقرأ الواقع وتميز بين الحقائق والانطباعات.. ولذلك فإن قراءة المشهد لا يجب أن تتوقف عند متابعة الأخبار اليومية بل تمتد إلى فهم ما وراء الخبر. لماذا تتحرك الدول بهذا الاتجاه؟ ولماذا تُعقد التحالفات فى هذا التوقيت؟ ولماذا تتغير الأولويات الدولية؟ فالإجابة عن هذه الأسئلة هى التى تكشف الصورة الكاملة بعيدا عن ضجيج العناوين.. لقد علمنا التاريخ أن الأمم التى نجحت فى لحظات التحول الكبرى لم تكن الأكثر حظا وإنما الأكثر استعدادا. لم تنتظر حتى تُفرض عليها الوقائع بل صنعت لنفسها مكانا داخلها. ولهذا فإن بناء القوة الحقيقية يبدأ من الداخل من اقتصاد منتج وتعليم جيد ومؤسسات قوية ومجتمع يدرك أن الانتماء ليس كلمات تقال بل مسؤولية تمارس كل يوم.. وفى النهاية تبقى الحقيقة الأهم أن الخرائط لا تتغير فقط بالقوة بل تتغير أيضا بالعقل الذى يديرها والرؤية التى تقودها والإرادة التى تحميها. وفى عالم تتبدل فيه التحالفات وتتغير فيه موازين النفوذ يبقى الرهان الحقيقى على الدولة التى تعرف كيف تقرأ اللحظة وكيف تستعد للغد وكيف تحول التحديات إلى فرص. فحين ترسم الخرائط من جديد لا تتغير حدود الدول وحدها بل تتغير معها أقدار الشعوب ومكانة الأمم ومستقبل الأجيال.