د. وئام عثمان تكتب : عودة” حرب الكر والفر” في الشرق الأوسط
إن المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران دخلت مرحلة من “حرب الكر والفر” السياسية والعسكرية حيث تتعاقب الضربات العسكرية مع فترات تهدئة مؤقتة، دون أن ينجح أي طرف في إنهاء الصراع أو فرض تسوية نهائية، لتتحول الهدنة إلى استراحة عملياتية أكثر منها سلامًا دائمً ا.
ماذا تريد واشنطن؟ وماذا يمكن أن تكسب إسرائيل وطهران من جولة التصعيد الجديدة؟
تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوة، حيث لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد خلاف حول البرنامج النووي أو العقوبات الاقتصادية، بل أصبحت جزءًا من صراع أوسع على هندسة النظام الإقليمي وتحديد قواعد النفوذ في مرحلة انتقالية يشهدها النظام الدولي. وفي هذا السياق، فإن أي تصعيد عسكري جديد لا يمكن قراءته باعتباره رد فعل لحادث بعينه، وإنما باعتباره حلقة جديدة في ما يمكن وصفه بـ “حرب الكر والفر” الاستراتيجية، التي تتبادل فيها
الأطراف الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية لتحقيق أكبر قدر من المكاسب بأقل تكلفة ممكن ة.
الشرق الأوسط… ساحة لإعادة توزيع النفو ذ
منذ انتهاء الحرب الباردة، ظل الشرق الأوسط يمثل إحدى أهم ساحات التنافس الدولي. ومع التحولات التي شهدها النظام الدولي، وعودة التنافس بين القوى الكبرى، أصبحت المنطقة مسرحًا لإعادة توزيع النفوذ بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، بينما تحاول القوى الإقليمية الكبرى، وعلى رأسها إيران وتركيا وإسرائيل ودول الخليج، تعظيم مكاسبها في ظل هذا التحو ل.
ومن هنا، فإن كل جولة تصعيد بين واشنطن وطهران لا تعني بالضرورة رغبة في حرب شاملة، وإنما تمثل وسيلة لإعادة رسم خطوط الردع وإعادة التفاوض على موازين القوة.
الحالة الترامبية” استراتيجية الضغط الأقصى في ثوب جدي د”
ومع عودة سياسة الرئيس دونالد ترامب إلى الأكث ر تشددًا تجاه إيران، فإن ذلك يعكس عودة فلسفة
“الضغط الأقصى” ، وذلك لتحقيق ما يلي:
-استعادة الردع الأمريكي وإظهار أن واشنطن ما زالت صاحبة اليد العليا في أمن الخليج
-منع إيران من استثمار أي تهدئة لإعادة بناء قدراتها العسكرية أو النووي ة
-تأمين حرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز وباب المندب باعتبارهما شريانين رئيسيين للطاقة العالمي ة
-تعزيز التحالف الأمريكي مع إسرائيل وشركاء الخليج في مواجهة التهديدات الإيراني ة
-توظيف الأزمة في الداخل الأمريكي بإظهار الإدارة في صورة القيادة الحاسمة القادرة على فرض القوة وحماية المصالح الأمريكي ة
وبذلك، فإن استئناف التصعيد لا يعني بالضرورة أن الهدف النهائي هو إسقاط النظام الإيراني، وإنما قد يكون وسيلة لفرض معادلة تفاوضية جديدة أكثر تشددً ا.
لماذا قد تقبل واشنطن بالمخاطرة الآن؟
هناك مجموعة من العوامل تجعل الإدارة الأمريكية أكثر استعدادًا للتصعيد مقارنة بفترات سابقة :
– اعتقادها بأن القدرات العسكرية الإيرانية تعرضت للاستنزاف خلال السنوات الماضي ة
– رغبتها في طمأنة الحلفاء الإقليميين بأن الالتزام الأمريكي بأمن الخليج ما زال قائمًا
– توجيه رسالة إلى الصين وروسيا بأن الولايات المتحدة ما زالت قادرة على التحكم في أهم الممرات
البحرية العالمي ة
ولكن… ماذا يمكن أن تستفيد طهران ؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن إيران هي الطرف الأكثر خسارة من أي تصعيد جديد، إلا أن قراءة أعمق تكشف أن طهران اعتادت توظيف الأزمات لإعادة إنتاج أوراق القوة. ومن أبرز المكاسب التي قد تسعى إليها :
أولاً: تعزيز تماسك الجبهة الداخلية
التاريخ السياسي الإيراني يشير إلى أن الضغوط الخارجية كثيرًا ما أدت إلى تقوية الالتفاف الشعبي حول مؤسسات الدولة، حتى مع استمرار الخلافات الداخلية.
ثانياً: إعادة تقديم نفسها قوةً لا يمكن تجاوزها
إيران تدرك أن استمرار قدرتها على تهديد أمن الملاحة أو التأثير في توازنات المنطقة يجعل أي تسوية مستقبلية مستحيلة دون مشاركتها.
ثالثاً: رفع كلفة المواجهة على واشنط ن
كلما ارتفعت تكلفة الحرب اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، زادت فرص عودة الولايات المتحدة إلى طاولة التفاوض بشروط أقل تشددًا.
رابعاً: توسيع الهوامش التفاوضي
قد ترى طهران أن تحمل ضغوط قصيرة الأمد أفضل من قبول اتفاق يقيد قدراتها الاستراتيجية لعقود مقبل ة.
خامسًا: الحفاظ على مكانتها الإقليمي
أي تراجع كامل أمام الضغوط الأمريكية قد يفُقد إيران كثيرًا من نفوذها لدى حلفائها وشركائها الإقليميين، وهو ما تحرص القيادة الإيرانية على تجن به.
هل نحن أمام حرب شاملة ؟
السيناريو الأكثر ترجيحًا لا يزال يتمثل في حرب محدودة أو ضربات متبادلة محسوبة، لأن الحرب الشاملة تحمل مخاطر كبيرة لجميع الأطرا ف.
فالولايات المتحدة تدرك أن اتساع رقعة المواجهة قد يؤثر في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، كما أن إيران تعلم أن الدخول في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل قد يفرض عليها أثماناً يصعب تحملها.
لذلك، قد تستمر سياسة “الضربات المحدودة والردود المحسوبة”، بما يسمح لكل طرف بإظهار القوة دون الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوح ة.
أين تقف روسيا والصين ؟
حتى في حال استمرار الصمت النسبي لموسكو وبكين، فمن غير المتوقع أن تقدما دعمًا عسكرياً مباشرًا لإيران. فكلتاهما تفضلان إدارة الأزمات بما يحافظ على مصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية، مع تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحد ة
ومن ثم، فإن الدعم المرجح سيظل سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً أكثر منه عسكر يًا.
خلاصة القول…… إن ما يجري اليوم يتجاوز مجرد استئناف للمواجهة بين واشنطن اسرائيل وطهران؛ فهو يعكس مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية. وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى تثبيت معادلة ردع جديدة وإعادة هندسة البيئة الأمنية في الشرق الأوسط، المحاولات الاسرائيلية الجادة للتعتيم الدائم علي القضية الفلسطينية، إيقاف اعمال الترميم في منشآت أصفهان وفورد النووية حتى يمنع إيران من تجديد وإصلاح منظومة السلاح النووي، وتحاول إيران الحفاظ على موقعها كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه، حتى وإن جاء ذلك عبر تحمل كلفة تصعيد محسو ب.
وبين هذين الهدفين تستمر “حرب الكر والفر” ؛ حرب لا تحُسم غالباً بالانتصار العسكري الكامل، بل بإعادة رسم حدود النفوذ، وتحسين شروط التفاوض، وتعظيم المكاسب السياسية والاستراتيجية. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستندلع جولة جديدة من التصعيد؟ بل أصبح: أي طرف سينجح في تحويل هذه الجولة إلى رصيد استراتيجي يفرض من خلاله قواعد اللعبة في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة ؟ ذلك أن الصراع لم يعد يدور حول إيران وحدها، وإنما حول شكل الإقليم القادم، ومن يمتلك حق رسم خرائط القوة والنفوذ فيه.
بقلم. ..
الأستاذ الدكتور / وئام عثمان
رئيس قسم العلوم السياسية والإدارة العامة
