غزة بعد صمت المدافع.. ترميم الحجر أم استعادة البشر؟.. بقلم :شحاته زكريا

0

حين تصمت المدافع لا يبدأ السلام فورا كما يتوهم الجالسون بعيدا بل يبدأ صمت أثقل وأشد وطأة ذلك الوجوم الذي يغشى الناجين وهم يحدقون في أطلال ما كان يوما مدينة. بعد انقشاع سحب الدخان وانسحاب مراسلي القنوات الإخبارية يجد العالم نفسه أمام السؤال المعتاد الذي يتكرر عند نهاية كل مأساة: ماذا بعد؟ لكن في غزة لا يحمل هذا السؤال طابع الترف السياسي أو النظري. إنه ليس مادة لندوة دبلوماسية في عاصمة أوروبية ولا بندا على جدول أعمال مؤتمر للمانحين إنه ببساطة سؤال الكينونة اليومية الملحّة من أين تبدأ الحياة حين تُمحى أدواتها من الأساس؟
على شاشات التحليل اختُزلت الكارثة طويلا في بيانات عسكرية وإحصاءات جامدة. واليوم بينما يدور الحديث في الكواليس الدولية عما يسمى باليوم التالي يتحول المشهد تدريجيا إلى لغة أخرى لا تقل جفافا: لغة المليارات وتقديرات الصناديق الدولية. تخبرنا التقارير الأممية أن كلفة التعافي وإعادة الإعمار تتجاوز 71 مليار دولار موزعة على عقد كامل وأن المرحلة الأولى وحدها تستنزف ما يزيد على 26 مليار دولار لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من شرايين الحياة المقطوعة من مياه شرب معطلة ومنظومة صحية خرج أكثر من نصفها عن الخدمة ومدارس تحولت أغلبيتها الساحقة إلى أكوام من الركام أو ملاجئ مؤقتة للاحتماء من الموت غير أن المشكلة الجوهرية في مقاربة مثل هذه الأرقام هي قدرتها الفائقة على تخدير الحواس فالمليارات حين تنطق في البيانات الرسمية تتحول إلى تجريد هندسي بارد. ننسى وسط ضجيج الأرقام أن كل وحدة سكنية دُمرت لم تكن مجرد جدران وأسقف بل كانت ركنا دافا ورفوفا لكتب أطفال ونافذة تطل على شارع يعرف الجيران فيه وجوه بعضهم بالاسم. إن الرقم الكبير يخفي وراءه تفاصيل صغيرة وحميمة وحين يُختزل البيت في طن من الإسمنت يُختزل الإنسان نفسه في مجرد رقم ضمن كشوف الإغاثة. إن الخطيئة التي يقع فيها العقل البيروقراطي الدولي دوما هي تصوره أن إحياء المدن يبدأ من القمة: وضع حجر أساس براق أو توقيع شيكات على منصات المؤتمرات أو تدشين مخططات عمرانية تبدو مبهرة على شاشات الحواسب. الحقيقة التي يعرفها كل من عاش ويلات الحروب هي أن الحياة لا تبدأ أبدا من أعلى. الحياة تبدأ من القاع المنسي من أصغر التفاصيل التي يتجاهلها الساسة تبدأ من قطرة ماء صالحة للشرب ومن مولد كهربائي يجد لتر وقود وقطعة غيار لينقذ حضانة أطفال ومن جرافة تفتح زقاقا ضيقا ليمر منه رجل يحمل ما تيسر من حطام ذكرياته .. إعادة بناء غزة لا يمكن أن تكون مجرد مناقصة مقاولات كبرى لإزالة أطنان الردم وصب الخرسانة المسلحة. إنك تستطيع أن تبني جدارا في أسابيع.لكن كيف تعيد بناء نفسية طفل استقر في وجدانه أن السقف قد ينهار في أي لحظة؟ تستطيع أن تفرش فصلا دراسيا جديدا بالمقاعد لكن كيف تعوض أجيالا فاتتها سنوات التعليم وعاشت تحت وطأة الفزع اليومي؟ تستطيع أن ترفع بناء مستشفى لكن ما قيمته إذا كانت كوادره الطبية قد استُنزفت حتى النخاع وفقدت الحد الأدنى من الأدوية والمعدات واستقرار الطاقة؟ المفارقة المؤلمة تكمن في ذلك الفارق الدقيق بين فكرة الإغاثة وفكرة التمكين لقد اعتاد العالم أن يتعامل مع المنكوبين بوصفهم أفواهًا جائعة تنتظر حصص الطحين وأغطية الشتاء وهذا وإن كان ضروريا في ذروة النكبة إلا أنه يتحول بمرور الوقت إلى استدامة للعجز إذا لم يقترن برؤية تعيد للإنسان فاعليته. إن أهالي غزة ليسوا كائنات تنتظر الإحسان الخارجي لتقرر كيف تعيش إنهم أصحاب الأرض والتجربة وهم الأدرى بأي طريق يحتاج أن يشق أولا وأي شريان يجب أن يُضخ فيه النبض قبل غيره. الإعمار الحقيقي هو نقل الناس من حالة الاستجداء المعيشي إلى استعادة القدرة على الإنتاج ومن انتظار المعونات إلى استرداد الكرامة الإنسانية التي سحقتها آلة الحرب لا يمكن لأي جهد دولي أن يرى النور إذا ظل محاصرا بذات القيود التي صنعت المأساة. فما معنى أن نعد بالمليارات بينما المعابر تفتح وتغلق بحسابات سياسية وعسكرية معقدة ومواد البناء تخضع لقوائم منع وتدقيق تعطل مسار الزمن؟ إن التحدي الحقيقي ليس فقط في تدبير التمويل بل في توفير بيئة عادلة تتيح للبشر أن يتنفسوا بلا خوف وأن يزرعوا بلا قلق من أن تجرف محاصيلهم غدا لقد دفعت غزة في هذه الحرب ضريبة باهظة من لحمها الحي واستنزفت من أعمار أبنائها ما لا يمكن لأي تعويض مادي أن يسترده. ولا يجوز بأي مقياس أخلاقي أن يسرق منهم انتظار الإعمار البيروقراطي ما تبقى من العمر. الناس هناك لا يطلبون المعجزات ولا يبحثون عن مدن فاضلة تبنى في الهواء إنهم يريدون فقط استعادة الحياة العادية تلك النعمة المهدرة التي لا يدرك قيمتها إلا من سُلبت منه وحين تفرغ القاعات ويسدل الستار على الكلمات المنمقة ستظل الحقيقة شاخصة على شاطئ القطاع بلا رتوش: الإعمار لا يبدأ من صب الخرسانة في التراب بل من زرع اليقين في قلب الإنسان بأنه يملك غدا يستحق أن يعاش.