لحظة سقوط احتكار الوطن
كتبت : ابتسام مصطفى
اعتاد الجميع أن يتحدث عن 30 يونيو باعتبارها معركة سياسية بين مؤيد ومعارض، أو صراعًا بين نظامين، لكن هناك زاوية لم تحظَ بما تستحقه من التأمل.
ففي الحقيقة، لم يكن يوم 30 يونيو مجرد يوم خرج فيه ملايين المصريين ضد رئيس، بل كان اليوم الذي أعلن فيه الشعب المصري أنه لن يمنح أحدًا “شيكًا على بياض” مرة أخرى.
لقد كان الشعب قد منح ثقته لثورة يناير، ثم منح ثقته لأول رئيس منتخب، ثم عاد ليسحب هذه الثقة عندما شعر أن الدولة تسير في اتجاه لا يحقق تطلعاته. وهنا تكمن الرسالة الأخطر.
30 يونيو لم تكن محاكمة لشخص، بل كانت محاكمة لفكرة أن الشرعية الانتخابية وحدها تكفي للحكم المطلق ، أو أن امتلاك الأغلبية يمنح حق احتكار الوطن .
لقد أثبت المصريون أن صندوق الانتخابات بداية الطريق ، وليس نهاية العلاقة بين الحاكم والشعب.
ومن زاوية أخرى، كشفت 30 يونيو أن الشعب المصري يمتلك ما يمكن تسميته بـ”غريزة الدولة”. فقد يختلف ، ويثور ، ويحتج، لكنه عندما يشعر أن كيان الدولة نفسه مهدد ، يتحرك بصورة قد تفاجئ الجميع.
كما أثبتت أن الشعوب لا تتحرك فقط بسبب الفقر أو الاقتصاد، بل تتحرك أيضًا عندما تشعر بأن هويتها وثقافتها ومستقبل أبنائها أصبح محل قلق.
والدرس الأهم أن أي سلطة، مهما كانت شعبيتها، إذا توقفت عن الاستماع للناس، تبدأ لحظة العد التنازلي لسقوطها.
ولعل أكثر ما يميز 30 يونيو أنها لم تُسقط شخصًا بقدر ما أسقطت وهمًا سياسيًا ظل يتكرر عبر التاريخ، وهو أن الشعب يمكن أن يُطلب منه الصمت لسنوات لأنه منح صوته مرة واحدة.
فالشعوب لا تمنح تفويضًا أبديًا، وإنما تمنح ثقةً تُجدد بالأداء، وتسقط بالإخفاق.
لذلك ستظل 30 يونيو، سواء اتفق الناس أو اختلفوا حول توصيفها، علامة فارقة تؤكد حقيقة واحدة: في مصر، يبقى الشعب هو صاحب الكلمة الأخيرة، وكل سلطة تستمد قوتها منه، وتفقدها عندما تنفصل عنه.
