إيران بين منطق الردع وحدود المغامرة… هل تعيد طهران تعريف قواعد اللعبة؟ بقلم :شحاته زكريا

0

في عالم يتغير بوتيرة أسرع من قدرة التفسيرلم تعد التحركات السياسية تُقرأ فقط باعتبارها ردود أفعال بل كجزء من هندسة أوسع لإعادة تشكيل موازين القوة. وفي قلب هذا المشهد تتحرك إيران بخطوات تبدو أحيانا متناقضة لكنها في جوهرها تعكس محاولة مستمرة لإعادة تعريف موقعها في نظام دولي مضطرب.. ليست إيران اليوم مجرد طرف في صراع تقليدي مع الولايات المتحدة أو إسرائيل بل أصبحت نموذجًا لدولة تحاول أن تفرض معادلة خاصة بها قوامها المزج بين الضغط والمناورة وبين التصعيد المحسوب والانفتاح المحدود. هذه المعادلة لا تُبنى في لحظة ولا تُفهم من زاوية واحدة بل تتشكل عبر تفاعل معقد بين الداخل الإيراني والإقليم والنظام الدولي.
من يتابع المشهد يلاحظ أن طهران لم تعد تراهن فقط على أدواتها التقليدية بل توسع من نطاق حركتها لتشمل مسارات متعددة. فهناك خطاب سياسي يرسل رسائل متباينة وميدان يتحرك وفق حسابات دقيقة واقتصاد يحاول التكيف مع الضغوط ونظام يسعى للحفاظ على تماسكه الداخلي رغم التحديات.. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل ما تفعله إيران هو استراتيجية طويلة المدى أم مجرد إدارة للأزمة بأدوات مختلفة؟ الإجابة ليست سهلة لأن الواقع نفسه لم يعد بسيطا. فإيران تدرك أن المواجهة المباشرة مع قوة كبرى كالولايات المتحدة تحمل مخاطر لا يمكن احتسابها بالكامل لكنها في الوقت ذاته ترى أن التراجع الكامل يعني فقدان أوراق ضغط تراكمت عبر سنوات. ومن هنا تبدو السياسة الإيرانية وكأنها تتحرك على حافة دقيقة لا هي تقبل بالتهدئة الكاملة ولا هي تنزلق إلى مواجهة شاملة..في هذا السياق يبرز مفهوم الردع المرن كأحد المفاتيح لفهم السلوك الإيراني. فطهران لا تسعى بالضرورة إلى الحرب لكنها تعمل على إبقاء احتمالها قائما كوسيلة لتعزيز موقعها التفاوضي. إنها تحاول أن تقول إنها قادرة على التصعيد لكنها تفضل التفاوض بشرط أن يتم الاعتراف بها كلاعب لا يمكن تجاوزه.. هذا النوع من السياسات يفرض إيقاعا خاصا على المشهد. فالتصريحات المتناقضة والتحركات المفاجئة والتراجع عن بعض المواقف كلها تصبح أدوات في لعبة أكبر هدفها النهائي ليس الانتصار في معركة بل تحسين شروط التفاوض في مرحلة لاحقة.
لكن هذه اللعبة رغم ما تمنحه من مرونة تحمل في داخلها مخاطر كبيرة. فالتحرك على حافة التصعيد يعني دائما احتمال الانزلاق خاصة في بيئة إقليمية ودولية تتسم بحساسية عالية. خطأ في التقدير أو قراءة غير دقيقة لنوايا الطرف الآخر قد يحول المناورة إلى مواجهة والضغط إلى صدام.. ولا يمكن فصل هذا السلوك عن الداخل الإيراني. فالنظام في طهران لا يتحرك فقط وفق حسابات خارجية بل يوازن أيضا بين اعتبارات داخلية معقدة. هناك ضغوط اقتصادية وتحديات اجتماعية وحاجة دائمة للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية. وفي مثل هذه الظروف يصبح التصعيد أحيانا وسيلة لتوحيد الداخل.كما يصبح التفاوض أداة لتخفيف الضغوط.. وفي المقابل لا تتحرك الولايات المتحدة بمعزل عن حساباتها الخاصة. فواشنطن رغم قوتها تدرك أن أي مواجهة مفتوحة في المنطقة ستكون لها تكلفة عالية ليس فقط عسكريا بل اقتصاديا وسياسيا. ومن هنا تبدو هي الأخرى وكأنها تفضل إبقاء الأزمة تحت السيطرة دون أن تصل إلى نقطة الانفجار.. أما إسرائيل فهي تمثل عاملا إضافيا في هذه المعادلة المعقدة. فسياساتها تميل إلى دفع الأمور نحو الحسم لكنها تدرك في الوقت نفسه أن هذا الحسم قد يفتح أبوابا يصعب إغلاقها. وبين هذه الحسابات المتشابكة يبقى المشهد مفتوحا على احتمالات متعددة من التهدئة المؤقتة إلى التصعيد المفاجئ.. ما يزيد من تعقيد الصورة أن العالم لم يعد كما كان. النظام الدولي نفسه يمر بمرحلة إعادة تشكيل حيث تتراجع بعض القواعد التقليدية وتظهر أنماط جديدة من التفاعلات. لم يعد هناك قطب واحد يفرض إيقاعه ولا نظام مستقر يمكن التنبؤ بمساراته بسهولة. وفي مثل هذا العالم تصبح الأزمات أكثر تعقيدا والحلول أكثر صعوبة.. ومن هنا فإن قراءة السلوك الإيراني لا يمكن أن تتم بمعزل عن هذا السياق الأوسع. فإيران مثل غيرها من القوى الإقليمية تحاول أن تجد لنفسها مكانا في نظام لم تتضح ملامحه بعد. وهي في سبيل ذلك تستخدم كل ما لديها من أدوات من الدبلوماسية إلى القوة ومن الاقتصاد إلى الإعلام.

لكن يبقى السؤال الأهم: إلى أين يمكن أن تقود هذه السياسة؟

إذا نجحت فقد تفرض إيران نفسها كلاعب لا يمكن تجاهله وتنتزع اعترافا بدورها الإقليمي. أما إذا أخفقت فقد تجد نفسها أمام ضغوط أكبر وربما مواجهات لم تكن في الحسبان. الفارق بين الاحتمالين لا يكمن فقط في قوة الأدوات،
بل في دقة الحسابات وفي القدرة على قراءة اللحظة.
في النهاية لا يمكن اختزال ما يحدث في ثنائية الحرب أو السلام. فالمشهد أكثر تعقيدا من ذلك. نحن أمام حالة من اللا حرب واللا سلام حيث تستمر المناورات وتتبادل الرسائل وتُختبر الحدود دون أن يُحسم المسار بشكل نهائي. وهنا ربما تكمن الحقيقة الأعمق: أن ما تفعله إيران اليوم ليس مجرد رد فعل على ضغوط بل محاولة لصياغة دور في عالم يتغير. محاولة قد تنجح أو تفشل لكنها في كل الأحوال تعكس إدراكًا بأن قواعد اللعبة لم تعد كما كانت… وأن من لا يعيد تعريف موقعه قد يجد نفسه خارج المعادلة.