السليمانية تفضح الوهم الكبير .. ملايين مقابل العبودية !!!
كتبت : ابتسام مصطفى
ما حدث في السليمانية ليس حادثاً عابراً، بل لحظة كشفت حقيقة كان كثيرون يرفضون رؤيتها. لقد سقط القناع عن نموذج عمراني تم تسويقه باعتباره قمة التحضر والرفاهية، بينما قد يكون في بعض الحالات مجرد نسخة حديثة من الإقطاع، لكن بأسوار أعلى وأسعار أغلى.
المواطن يبيع ما يملك، ويقترض ما لا يملك، ويدفع ملايين الجنيهات ليشتري منزلاً داخل كومباوند فاخر. يظن أنه اشترى الحرية والأمان وجودة الحياة، ثم يكتشف أنه انتقل من سلطة الدولة إلى سلطة شركة خاصة تمتلك من النفوذ على حياته اليومية ما يفوق أحياناً ما تمتلكه الجهات الرسمية.
المفارقة المذهلة أن المشتري يدفع ثمن الأرض، وثمن البناء، وثمن الخدمات، وثمن الصيانة، ثم يظل مطالباً بالطاعة. يدفع ليصبح مالكاً على الورق، بينما يشعر في الواقع أنه مستأجر لدى المطور العقاري الذي يضع القواعد ويغيرها متى شاء ويملك من أدوات الضغط ما يجعله الطرف الأقوى دائماً.
لقد تحولت بعض الكومباوندات من مجتمعات سكنية إلى ممالك خاصة. المطور فيها ليس مجرد بائع عقار، بل حاكم فعلي لمجتمع مغلق. يبيع الوحدات مرة، ثم يستمر في جني الأموال والنفوذ لسنوات طويلة بعد البيع، وكأن العقد لم يكن عقد بيع بل عقد تبعية ممتدة.
المشكلة أن صناعة العقار نجحت في بيع الوهم أكثر من بيع الحجر. باعت للناس صورة طفل يركب دراجته في شارع هادئ، وأسرة تجلس بجوار بحيرة صناعية، وحياة تشبه الإعلانات الأوروبية. لكن ما لم يظهر في الإعلانات هو السؤال الأهم: ماذا يحدث عندما تتعارض مصالح السكان مع مصالح المطور؟
عندها تظهر الحقيقة القاسية. تكتشف أن الأسوار التي ظننت أنها تحميك قد تكون في بعض الأحيان وسيلة لعزلك. وأن البوابات الإلكترونية التي أعجبتك قد تتحول إلى أدوات للتحكم. وأن المجتمع الذي قيل لك إنه صُمم لخدمتك قد يكون مصمماً أولاً وأخيراً لحماية مصالح من أنشأه.
لا أحد يعترض على الاستثمار، ولا أحد يرفض الربح. لكن هناك فرقاً بين مستثمر يبني مجتمعاً عمرانياً، ومستثمر يتعامل مع السكان باعتبارهم مصدراً دائماً للإيرادات ومجرد أرقام في ميزانية الشركة.
ما جرى في السليمانية يجب أن يدفع الجميع إلى طرح السؤال الذي طال تجاهله: هل نشتري عقارات فعلاً أم نشتري حق الإقامة بشروط يفرضها آخرون؟ هل نحن ملاك أم عملاء دائمون في مشروع لا ينتهي فيه السداد أبداً؟
لقد آن الأوان لمراجعة هذا النموذج بالكامل. فالوطن لا يُبنى بجزر معزولة خلف الأسوار، ولا تُقاس قيمة العمران بارتفاع البوابات أو عدد أفراد الأمن، بل بمدى احترام حقوق الإنسان والمالك والمواطن.
وإذا كان المالك الذي دفع الملايين لا يستطيع أن يشعر أنه صاحب القرار في المكان الذي يملك فيه منزله، فربما علينا أن نتوقف عن تسمية هذه المشروعات “مجتمعات سكنية”، وأن نبدأ في تسميتها بالاسم الأقرب إلى الحقيقة:
سجون فاخرة… يدفع السجين ثمن بنائها بنفسه.
