السودان.. الأزمة التي لا تحتمل نصف حل ..بقلم :شحاته زكريا
لماذا لا تكفي الهدنة التكتيكية لإنقاذ بلد يتآكل في قلبه؟
مع توالي الشهور بدأت الحرب في السودان تأخذ ذلك المنحنى البارد والخطير الذي يصيب عادة النزاعات المنسية والممتدة أن تتحول المأساة في نشرات الأخبار وشاشات المتابعة إلى روتين يومي مكرر. خطوط تماس تتبدل فيها السيطرة من حي إلى آخر، مؤتمرات إقليمية تطلق البيانات نفسها وهدن هشة تولد ميتة قبل أن يجف حبرها ثم يعود الرصاص ليتكلم بالوتيرة ذاتها. لكن الخطورة الكامنة وراء هذا الاعتياد لا تقف عند حدود الخسائر الميدانية بل في كونها تختزل المأساة التاريخية كلها في سؤال وحيد وبائس متى تصمت البنادق؟ في حين أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه الجميع في الداخل والخارج هو كيف سيبدو السودان في اليوم التالي لصمتها؟ الواقع القاسي يخبرنا أن هذا البلد المنهك لم يعد يملك ترف التعامل مع وقف إطلاق النار بوصفه الغاية النهائية للمسار السياسي فالسلام الذي يكتفي بمجرد إخراس المدافع ليس سوى استراحة محارب تكتيكية تمنح الأطراف المتنازعة وقتا لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع تمهيدا لجولة اقتتال أكثر عنفا. إن ما يشهده السودان ليس صراعا حدوديا عابرا ولا مجرد تمرد عسكري يمكن احتواؤه بترتيبات ميدانية في غرف مغلقة بل هو تآكل متسارع في بنية الدولة نفسها تفكك للمؤسسات الحيوية شلل كامل في الجهاز الإداري والاقتصادي ونسيج اجتماعي تمزقه خطابات الكراهية والنزوح القسري الذي دفع ملايين السودانيين للفرار داخل حدود الوطن وخارجها.لذلك فإن الرهان على تسوية سياسية فوقية تقفز فوق متطلبات تثبيت الدولة هو رهان على سراب. لا معنى لأي وثيقة توقع بين قادة الحرب ما لم تُجب بوضوح وصراحة عن الأسئلة الصعبة: كيف يسحب السلاح المنفلت من المدن والقرى؟ وكيف يعاد دمج القوى المسلحة تحت لواء جيش وطني واحد بعقيدة مهنية موحدة لا تقبل الشراكة مع ميليشيات موازية؟ ومن يضمن عودة آمنة للنازحين الذين تحولت بيوتهم إلى ثكنات مع توفير آليات حقيقية للعدالة الانتقالية والتعافي الاقتصادي؟ إن إغفال هذه المعضلات بحجة الوصول إلى اتفاق سريع يعني عمليا تأجيل الانفجار بدلا من نزع صواعقه. من هذا المنطلق تقرأ القاهرة المشهد السوداني بعيدا عن لغة المزايدات السياسية أو الحسابات الضيقة. الموقف المصري هنا ليس رغبة في ممارسة وصاية ولا محاولة لهندسة الحياة السياسية في الخرطوم نيابة عن أهلها بل هو تعبير عن حتمية جغرافية وتاريخية وأمنية لا تقبل المجاملة. لا يمكن لمصر ولأي دولة تعي حسابات الأمن القومي أن تقف موقف المتفرج إزاء فراغ أمني يتسع عند حدودها الجنوبية ويهدد استقرار حوض النيل والبحر الأحمر. مصلحة مصر ومصلحة الإقليم بأكمله تتطابق بالضرورة مع وجود سودان موحد ومستقر تديره مؤسسات مركزية قوية قادرة على حماية سيادتها، لا رقعة جغرافية مفتوحة للصراعات بالوكالة والتدخلات الخارجية المشبوهة لقد استهلكت الأزمة طاقات دبلوماسية كبرى وجلسات تفاوض في عواصم متعددة لكن التجربة أثبتت بلا شك أن الخارج يستطيع أن يقدم العون ويسهل الحوار لكنه عاجز عن صناعة الاستقرار الحقيقي إذا غابت الإرادة الوطنية الخالصة. إن ترك السودان لرهان الوقت الكفيل بحل المشكلات مقامرة بالغة الكلفة يدفع ثمنها جيل كامل يخسر تعليمه ومستقبله وكرامته. ما يحتاجه السودانيون اليوم ليس حلا مستعجلا يرقع التصدعات بكلمات إنشائية بل جراحة سياسية عميقة تستأصل جذور الأزمة وتضع الدولة ومصالح المواطن البسيط فوق كل مكسب فئوي لكي لا يستيقظ السودان بعد نصف سلام هش على حرب جديدة أشد شراسة.
