الشبشب جريمة و الجهل فضيلة .. بقلم ابتسام مصطفي
مع بداية العام الدراسي ، يبدو أن المدرسة قررت أن تبدأ معركتها من أسهل جبهة : طالب ينفتش عن طول شعره وآخر يمنع من الدخول لأنه يرتدي « شبشب » وفصول تدهن و تلمع استعدادا للزيارات و كأن مستقبل التعليم يتوقف عند اللقطة الحلوة !
لا أحد ضد الانضباط أو النظافة لكن حين يصبح مظهر الطالب أهم من مستواه الدراسي ، نكون أمام منظومة فقدت بوصلتها .
أين هذه الحماسة عندما يتعلق الأمر بضعف القراءة ؟
أين التفتيش الحقيقي على جودة التعليم والمناهج؟
ومن يراقب ما يحدث داخل الفصل ؟
و الأكثر استفزاز هو تجاهل الواقع الاقتصادي لأولياء الأمور .. فهناك أسرة تكافح لتوفير المصروفات والكتب والزي والأدوات والدروس ثم تجد نفسها أمام قائمة إضافية من المطالب المتعلقة بالمظهر والملابس والأحذية.
هل كل أسرة قادرة على شراء ما يطلب منها كلما تغيرت التعليمات؟
وهل أصبح الطالب محدود الدخل هو المخالف لأنه لم يستطع مجاراة معايير شكلية لا تراعي ظروف أسرته؟
و هنا لن اغفل ذلك المعلم البائس فقد أصبح الحلقة الأضعف في معادلة شديدة القسوة . يطلب منه أن يعلم ويربي ويضبط الفصل ويتابع الطلاب ويواجه مشكلات لا تنتهي، بينما يعاني كثيرون من ضغوط اقتصادية ورواتب لا تتناسب مع حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم. كيف نطالب المعلم بصناعة أجيال قادرة على بناء المستقبل، ثم نتركه يواجه أعباء الحياة اليومية وحده؟ إن تحسين أوضاع المعلم وتقديره ماديا ومهنيا ليس رفاهية ، بل شرط أساسي لأي إصلاح تعليمي حقيقي
أما المناهج ، فالقضية ليست في كثرتها فقط ، بل في مدى قدرتها على مواكبة العصر . العالم يتغير بسرعة رهيبة والعلوم والمهارات تتطور كل يوم .. بينما لا تزال بعض المناهج تعتمد على الحفظ والتلقين أكثر من اعتمادها على الفهم والتحليل وربط المعرفة بالواقع.
نحن أمام تعليم يحتاج إلى إنقاذ متكامل ، لا إلى حملات تفتيش على قصات الشعر و أمام مدارس تحتاج إلى تطوير حقيقي ، لا إلى تجميل مؤقت قبل مرور مسؤول.
فإذا كان المسؤول يستطيع أن يرى طول شعر الطالب من آخر الطابور ، فليحاول أن يرى أيضًا حجم الفجوة بين الطالب وما يجب أن يتعلمه.
وإذا كان الشبشب يستحق المنع والعقاب ، فليكن السؤال: ماذا عن الإخفاق في تقديم تعليم جيد؟ ومن يتحمل مسؤوليته؟
كفى انشغالًا بما يلمع في الصورة ، بينما العطب يأكل المنظومة من الداخل
لا تجعلوا الطالب شماعة لفشل الإدارة ، ولا المعلم كبش فداء لعجز المنظومة ، ولا ولي الأمر ماكينة دفع لا تتوقف.
التعليم لا يحتاج « بروفة » أمام الكاميرات و لكنه يحتاج الى رعاية مركزة لانقاذ الانفاس الاخيرة
لأننا ببساطة لا نريد جيلا نظيف الشعر و الاظافر فقط ثم نكتشف بعد سنوات أن عقله مازال يحتاج الى نظافة
