ترامب يعيد حاملات الطائرات إلى عصر البخار.. قرار يهزّ أحدث مشاريع البحرية الأميركية

0

اختار الرئيس الأميركي دونالد ترامب قلب عقارب التكنولوجيا إلى الوراء، موجهاً البحرية إلى التخلي عن نظام الإطلاق الكهرومغناطيسي في حاملة الطائرات الجديدة «يو إس إس دوريس ميلر»، واستبداله بالمقاليع البخارية التي ظل يدافع عنها منذ ولايته الأولى، رغم تحذيرات من كلفة هندسية باهظة وتأخيرات جديدة في برنامج يعاني أصلاً تبدلات التصميم.

وبحسب تقرير لوكالة «أسوشيتد برس»، أصدر ترامب الخميس مذكرة للأمن القومي تمنح وزارة الدفاع وقيادة البحرية 60 يوماً لإعداد خطة تستبدل نظام إطلاق الطائرات الكهرومغناطيسي، المعروف اختصاراً باسم «إيمالس» (EMALS)، بالمقاليع البخارية، كما تطالب باستبدال مصاعد الأسلحة الكهرومغناطيسية بأنظمة هيدروليكية على الحاملة الرابعة من فئة «جيرالد آر. فورد».

قلق أميركي من عنف المستوطنين.. والبيت الأبيض يخاطب نتنياهو

ومن شأن إعادة تصميم حاملة بدأ العمل في تجهيز أنظمتها أن ترفع الكلفة بمئات الملايين من الدولارات على الأقل، وربما إلى مليارات عند احتساب التعديلات الهندسية والتأخيرات ومخاطر دمج الأنظمة الجديدة. كما تثير الخطوة تساؤلات عن العودة إلى تقنية تحتاج إلى طواقم أكبر، في وقت تواجه فيه البحرية الأميركية صعوبة في تأمين الأعداد الكافية من البحارة لتشغيل سفنها.

غضب قديم
لم يبدأ صدام ترامب مع «إيمالس» داخل ولايته الثانية. ففي مقابلة مع مجلة «تايم» عام 2017، وصف النظام الجديد بأنه «ليس جيداً» ولا يمتلك قوة المقاليع البخارية، مخاطباً البحرية بعبارته التي تحولت لاحقاً إلى لازمة متكررة: «ستعودون إلى البخار اللعين».

ومنذ ذلك الحين، أعاد ترامب سرد اعتراضاته على النظام في تجمعات انتخابية ومناسبات عامة، معتبراً أن المقاليع البخارية أبسط وأقل كلفة وأسهل إصلاحاً. وفي ظهور له خلال يوليو الماضي، قال إن الأنظمة الكهربائية «معقدة أكثر من اللازم» وإن الإنفاق عليها تجاوز كلفة الأنظمة التقليدية بمليارات الدولارات.

غير أن قرار العودة إلى البخار يأتي فيما تتحرك قوى بحرية أخرى في الاتجاه المعاكس. فقد زُوّدت أحدث حاملات الطائرات الصينية بمقاليع كهرومغناطيسية، فيما اختارت فرنسا التقنية نفسها لحاملة طائراتها المستقبلية.

سباق تقني
صُمم نظام «إيمالس» لتوفير تحكم أدق في قوة دفع الطائرات عند الإقلاع، بما يسمح بالتعامل مع طائرات تتفاوت بين المسيّرات الخفيفة والمقاتلات الهجومية الثقيلة، ويقلل الضغط الواقع على هياكلها. وكانت البحرية الأميركية قد قالت عند اختيار التقنية عام 2009 إنها تخفّض كلفة التشغيل طوال عمر النظام وتحتاج إلى صيانة أقل من المقاليع البخارية.

وبحلول مارس 2026، كان النظام العامل على حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد» قد نفذ 36,863 عملية إطلاق، وفق وثائق للبنتاغون أوردتها وكالة «رويترز».

ويشير خبراء تقنيون إلى أن النظام الكهرومغناطيسي يحتاج إلى مساحة وطاقم تشغيل أصغر. وعلى متن «جيرالد آر. فورد»، انخفض عدد البحارة المطلوبين لتشغيل المقلاع الواحد من نحو 12 بحاراً إلى اثنين، وفق البيانات التي استند إليها التقرير الأصلي.

حاملة رابعة
ستكون «يو إس إس دوريس ميلر» أول حاملة من فئة «فورد» تُبنى وفق التوجيه الجديد. أما «يو إس إس جيرالد آر. فورد» والحاملتان التاليتان «يو إس إس جون إف. كينيدي» و«يو إس إس إنتربرايز»، فستحتفظ بأنظمة الإطلاق الكهرومغناطيسي.

ومن المقرر وضع عارضة «دوريس ميلر» الأساسية قبل نهاية 2026، فيما تتوقع البحرية تسلّمها مطلع عام 2034. وتكشف هذه المواعيد حجم التعقيد الذي قد يرافق تغيير تقنية مركزية جرى دمجها في تصميم السفينة منذ البداية.

وتحمل المذكرة مفارقة لافتة؛ إذ تنتقد كثرة التعديلات التي تُدخلها البحرية على تصاميم السفن، وتقول إن تلك التغييرات تسببت في ارتفاع الكلفة والتأخير والإلغاء، لكنها تأمر في الوقت نفسه بتعديل جوهري في إحدى أكثر حاملات الطائرات الأميركية تقدماً.

تحذير صناعي
حذرت شركة «جنرال أتوميكس»، المصنّعة لنظام «إيمالس»، من مخاطر العدول عن التقنية في هذه المرحلة، وقالت إن القرار «يستحق إعادة نظر دقيقة».

وأوضحت الشركة أن إنتاج نظامي إطلاق الطائرات وإيقافها المخصصين لـ«دوريس ميلر» اقترب من نسبة 50 في المئة، محذرة من أن تغيير المسار الآن سيضيف مخاطر كبيرة تتصل بالكلفة والجدول الزمني وتكامل الأنظمة.

وكانت البحرية قد منحت «جنرال أتوميكس» عقداً معدلاً بقيمة 1.204 مليار دولار لبناء نظامي «إيمالس» ومعدات إيقاف الطائرات المتقدمة للحاملة «دوريس ميلر»، بحسب قيادة أنظمة الطيران البحرية الأميركية.

ولا يشمل قرار ترامب الحاملة وحدها؛ إذ فتحت المذكرة الباب أمام بناء بعض السفن العسكرية الأميركية في أحواض أجنبية، للمرة الأولى منذ عقود، بشرط أن تكون الشركات المختارة قد نفذت استثمارات كبيرة ومستدامة في أحواض السفن داخل الولايات المتحدة. كما وجّهت إلى إنشاء حوض بحري خامس لزيادة القدرة على إصلاح الغواصات وحاملات الطائرات.

فاتورة الحرب
يأتي التحول الهندسي المكلف بينما تضغط إدارة ترامب على الكونغرس لإقرار تمويل إضافي للبنتاغون والحرب مع إيران. وكان وزير الدفاع بيت هيغسيث قد قدّر في يوليو كلفة الحرب بنحو 37.5 مليار دولار، موضحاً أن الرقم يشمل نفقات متوقعة حتى نهاية سبتمبر.

ووصف هيغسيث التمويل الإضافي بأنه ضخ عاجل وضروري للأموال، كما دعا المشرعين إلى إقرار مشروع موازنة دفاعية بقيمة 1.5 تريليون دولار للسنة المالية 2027، معتبراً أن عدم تمويل الوزارة بهذا المستوى يمثل تهديداً للبلاد.

وأقر مجلس النواب بفارق ضئيل حزمة جمهورية بقيمة 95 مليار دولار لتمويل الحرب وأولويات أخرى للبيت الأبيض، إلا أن الحزمة لا تزال تنتظر اختباراً أكثر صعوبة في مجلس الشيوخ عند عودته إلى الانعقاد في سبتمبر.

وهكذا، لا يقتصر قرار «البخار» على خلاف تقني بشأن طريقة إطلاق المقاتلات من سطح حاملة طائرات؛ بل يفتح مواجهة أوسع بين تفضيلات الرئيس الشخصية، وحسابات المهندسين، وضغوط الموازنة، وقدرة البحرية الأميركية على إصلاح برنامج تلاحقه التأخيرات من دون إغراقه في تعديل جديد.