حين يصبح الهدوء أصعب من الحرب.. بقلم: شحاته زكريا

0

الحرب مهما بلغت قسوتها لها منطق يمكن فهمه: جبهة، وسلاح، وهدف، وخسائر، ثم لحظة يتوقف فيها إطلاق النار.
أما الهدوء فقصته أكثر تعقيدا فقد تصمت المدافع بينما لا تصمت الحسابات. وقد تتوقف المعارك بينما تستمر المعركة السياسية في الغرف المغلقة حيث يعيد كل طرف ترتيب أوراقه ويبحث عن موقعه في اليوم التالي لهذا أحيانا يصبح الهدوء أصعب من الحرب فالشرق الأوسط لا يعيش أزمة واحدة يمكن إغلاقها بقرار واحد وإنما يعيش شبكة من الأزمات المتداخلة غزة، وإيران، وأمن الخليج، ومضيق هرمز، والسودان، وليبيا، وغيرها من الملفات التي أصبح من الصعب فصل أحدها عن الآخر تحرك أزمة واحدة فتتأثر بها أزمات أخرى وهنا تتغير وظيفة السياسة.. لم يعد السؤال الأهم: من ربح الجولة؟ وإنما: من يستطيع أن يصنع اليوم التالي؟
فالحرب قد تنتهي بقرار لكن ما بعد الحرب يحتاج إلى ما هو أصعب: تفاهمات، وضمانات، وترتيبات سياسية، ومصالح مشتركة، وقدر من الثقة يسمح للخصوم بأن يعيشوا في واقع جديد دون أن يبحثوا عن جولة جديدة.. وهنا تكمن المشكلة…من السهل أن تقول لطرف: توقف عن إطلاق النار لكن الأصعب أن تقنعه بأن مستقبله لن يكون رهينًا بالخوف.
ومن السهل أن توقع اتفاقا لكن الأصعب أن تجعل الاتفاق قابلا للحياة.. ومن السهل أن تعلن نهاية الحرب لكن الأصعب أن تمنع أسبابها من العودة في صورة أخرى.. لذلك فإن المعركة الحقيقية تبدأ أحيانا بعد توقف المعارك وفي هذا المشهد يصبح الدور المصري مهما بحكم الجغرافيا والمصالح والأمن القومي وبحكم خبرة طويلة في التعامل مع أزمات المنطقة. مصر لا تبحث عن حضور لمجرد الحضور وإنما تتحرك في مساحة شديدة الحساسية بين الحفاظ على الأمن، ودعم الاستقرار، وفتح أبواب للحوار عندما تضيق المساحات أمامه والوساطة في مثل هذه الظروف ليست مجرد جلوس أطراف متخاصمة حول طاولة واحدة.
الوساطة الحقيقية أن تعرف متى تتحدث، ومتى تصمت، وما الذي يمكن أن تقبله، وما الذي يجب أن ترفضه، وكيف تحول نافذة صغيرة في جدار الخلاف إلى طريق يمكن أن يعبر منه الجميعوهذا يحتاج إلى هدوء سياسي لا إلى صخب سياسي.
فالمنطقة لا تحتاج إلى المزيد من الخطابات التي تزيد حرارة المشهد بقدر ما تحتاج إلى قرارات تخفض كلفة الصراع على الإنسان فالمواطن الذي عاش الحرب لا يعنيه كثيرا من انتصر في البيانات هو يريد أن ينام دون خوف.. والأسرة التي فقدت منزلها لا تبحث عن شعارات وإنما عن مكان آمن تعود إليه…والشاب الذي كبر وسط الأزمات لا يحتاج فقط إلى أن يسمع عن المستقبل وإنما إلى فرصة حقيقية ليعيش فيه…وهنا يصبح السلام أكبر بكثير من مجرد غياب الرصاص…السلام الحقيقي هو أن تصبح الحرب أقل احتمالا في عقول صانعي القرار قبل أن تصبح أقل احتمالًا على الأرض.. أن يصبح الحوار طريقا طبيعيا لا حلا اضطراريا.
وأن تصبح المصالح المشتركة أقوى من رغبة الانتقام وأن تدرك الأطراف أن ما يمكن أن تحققه السياسة أحيانا لا تستطيع الأسلحة أن تحققه مهما طال أمدها.. فالمنطقة دفعت ثمنا باهظا من الصراعات وأصبحت تعرف أن القوة تستطيع أن تحسم معركة لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني استقرارا.. الاستقرار يحتاج إلى سياسة.. والسلام يحتاج إلى إرادة.. والإرادة تحتاج إلى شجاعة من نوع مختلف.شجاعة أن تتراجع خطوة عن حافة المواجهة عندما تكون المواجهة أسهل وأن تختار التفاوض عندما يكون التصعيد أكثر شعبية.
وهنا تحديدًا يظهر الفرق بين إدارة الأزمة وإنهاء الأزمة.
إدارة الأزمة قد تمنحنا هدنة…أما إنهاء الأزمة فيحتاج إلى معالجة جذورها والتحدي الحقيقي أمام المنطقة اليوم ليس فقط أن تتوقف الحرب وإنما أن تتحول لحظة التوقف إلى فرصة لبناء ترتيبات جديدة تمنع عودتها.. فليس كل هدوء سلاما بعض الهدوء مجرد استراحة قبل جولة أخرى وبعضه قد يكون بداية تاريخ جديد والفارق بين الاثنين تصنعه السياسة لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يشغل المنطقة ليس: متى تصمت المدافع؟بل: ماذا سنفعل عندما تصمت؟
فإذا استطعنا أن نحول الصمت إلى حوار والهدنة إلى تسوية، والخوف إلى أمان فقد نكون أمام بداية حقيقية.. أما إذا اكتفينا بعد الأيام الهادئة دون أن نعالج أسباب الحرب فسوف تظل المنطقة تنتظر الجولة التالية الحرب قد تفرض الهدوء بالقوة.. أما السلام فيصنعه بالإرادة وحين يصبح الهدوء أصعب من الحرب تكون السياسة أمام امتحانها الأصعب: أن تصنع من لحظة توقف النار بداية لعصر لا يحتاج فيه أحد إلى إشعالها من جديد.