شحاته زكريا يكتب :السياسة في عصر الغضب الشعبي .. من يحكم من؟

0

لم تعد السياسة في عالم اليوم تدار داخل الغرف المغلقة ولا تحسم فقط عبر المؤسسات الدستورية أو موازين القوى التقليدية. هناك لاعب جديد يفرض نفسه بقوة على المشهد: الغضب الشعبي ذلك الغضب الذي يتشكل بهدوء في البداية ثم يتضخم بسرعة على منصات التواصل الاجتماعي قبل أن يتحول إلى قوة ضاغطة تعيد رسم خرائط السياسة وتفرض أسئلتها على الجميع: من يمثل من؟ ومن يحكم من فعليا؟
في العقود الماضية كانت المعادلة السياسية تبدو واضحة نسبيا: ناخبون يختارون ممثلين ومؤسسات تنظم العلاقة بين الدولة والمجتمع. لكن هذه المعادلة بدأت تتفكك تدريجيا مع تزايد الفجوة بين المواطنين والنخب السياسية ومع تعمق الإحساس بأن القرارات تصنع بعيدا عن الناس حتى لو كانت تنفذ باسمهم…الغضب الشعبي اليوم ليس مجرد رد فعل عاطفي بل أصبح بنية سياسية قائمة بذاتها. يتغذى على أزمات الاقتصاد وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الثقة في الأحزاب التقليدية وشعور متنام بأن النظام السياسي لا يستجيب بالسرعة الكافية للتحولات الاجتماعية. ومع كل أزمة جديدة تتوسع دائرة هذا الغضب بدل أن تنكمش.
لكن الأخطر في هذا المشهد أن الغضب لم يعد محصورا في الشارع بل انتقل إلى الفضاء الرقمي، حيث تتشكل الجماهير اللحظية التي يمكن أن تحدث تأثيرا سياسيا هائلا في وقت قصير جدا. منشور واحد أو فيديو صادم قد يكون كافيا لإشعال موجة احتجاج أو تغيير اتجاه رأي عام أو حتى الضغط على حكومة لتغيير قرارها. هنا تصبح السياسة أقرب إلى تفاعل لحظي منها إلى عملية مؤسسية طويلة المدى.
في هذا السياق يظهر سؤال جوهري: من يحكم فعليا؟ هل هي الحكومات المنتخبة التي تملك الشرعية الدستورية؟ أم هي موجات الرأي العام المتقلبة التي تفرض إيقاعها على صناع القرار؟ أم أننا أمام حالة ثالثة، أكثر تعقيدا، تتقاسم فيها السلطة بين الطرفين بشكل غير متوازن؟ الواقع يشير إلى أن الحكم لم يعد احتكارًا كاملا لأي طرف. الحكومات ما زالت تملك أدوات التنفيذ، لكن قدرتها على اتخاذ القرار أصبحت مقيدة أكثر بردود الفعل الشعبية الفورية. وفي المقابل يمتلك الغضب الشعبي قوة تعطيل أو دفع لكنه لا يملك دائما القدرة على بناء بدائل مستقرة.. هذه المعادلة الهجينة أنتجت نوعا جديدا من السياسة يمكن وصفه بسياسة الاستجابة السريعة حيث تتحول القرارات إلى ردود فعل محسوبة على ضغط الشارع أكثر من كونها نتاج تخطيط استراتيجي طويل المدى. وهذا يخلق بدوره حالة من عدم الاستقرار النسبي في السياسات العامة لأن الأولويات قد تتغير بسرعة تبعا لتغير المزاج العام.. الأكثر تعقيدا أن الغضب الشعبي نفسه ليس كتلة واحدة. إنه خليط من فئات اجتماعية مختلفة ودوافع متباينة وأحيانا متناقضة. هناك غضب اقتصادي ناتج عن الفقر والبطالة وغضب اجتماعي مرتبط بالهوية والعدالة وغضب سياسي ناتج عن فقدان الثقة في المؤسسات. لكن هذه التيارات المختلفة تندمج في النهاية داخل موجة واحدة قد تكون قوية لكنها غير متماسكة…وهنا تكمن المفارقة: كلما زادت قوة الغضب الشعبي زادت قدرته على التأثير لكن قلت قدرته على تقديم رؤية واضحة للحكم. فهو يضغط ويعترض ويسقط لكنه لا يحكم بشكل مباشر. وفي المقابل كلما حاولت النخب السياسية تجاهله ازداد اتساعه وحدته…في بعض الحالات يتحول هذا الغضب إلى ما يشبه الفيتو الشعبي غير الرسمي حيث يصبح من الصعب تمرير أي قرار كبير دون اختبار ردود الفعل أولا. وفي حالات أخرى يتم توظيفه سياسيا من أطراف مختلفة ليصبح أداة صراع داخل النظام نفسه بدل أن يكون مجرد تعبير عن المجتمع.. لكن السؤال الأخطر يظل قائما: هل يمكن إدارة الغضب الشعبي أم أنه سيصبح هو الحاكم الفعلي تدريجيا؟ الإجابة ليست بسيطة. فالدول التي تنجح غالبا هي تلك التي لا تحاول قمع الغضب أو تجاهله بل تحويله إلى طاقة إصلاح داخل المؤسسات عبر قنوات سياسية فعالة ومشاركة أوسع واستجابة واقعية للمطالب الاجتماعية. أما الدول التي تفشل في ذلك فقد تجد نفسها أمام حالة من الانقسام المستمر بين شرعية الصندوق وشرعية الشارع.. و في النهاية السياسة في عصر الغضب الشعبي لم تعد سؤالا عن من يفوز بالانتخابات فقط بل عن من يستطيع أن يفهم نبض المجتمع دون أن يفقد توازن الدولة. وبين الشرعية الرسمية والضغط الشعبي تتشكل معادلة جديدة لم تحسم بعد وقد تحدد شكل الحكم في العقود القادمة.

السؤال لم يعد نظريا: من يحكم من؟
بل أصبح عمليا وملحا: كيف يحكم مجتمع عندما يصبح الغضب جزءا من نظام الحكم نفسه؟