غزة بعد الحرب.. اختبار اليوم التالي بقلم: شحاتة زكريا

0

كل الحروب لها لحظة ينخفض فيها صوت المدافع لكن ليس كل الحروب تعرف كيف تبدأ الحياة من جديد.. ولهذا فإن أصعب سؤال في أي تسوية لا يكون دائما: كيف نوقف القتال؟ وإنما: ماذا سنفعل في اليوم التالي؟ في غزة يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فالحرب لا تترك وراءها مجرد مبان مدمرة يمكن إعادة بنائها وإنما تترك مجتمعا أنهكته الخسائر وأسرا فقدت أحباءها وأطفالا عاشوا سنوات من الخوف واقتصادا يحتاج إلى إعادة تشغيل ومؤسسات تحتاج إلى استعادة قدرتها على تقديم أبسط الخدمات.. ولهذا فإن انتهاء الحرب إذا حدث لن يكون نهاية القصة.. سيكون بداية أصعب.. لأن إعادة بناء الحجر قد تكون مسألة أموال ووقت وخبرات أما إعادة بناء الإنسان والثقة فهي مسألة أخرى تماما.. غزة لا تحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار وإنما تحتاج إلى عودة الحياة.. تحتاج إلى مدارس تعمل، ومستشفيات قادرة على استقبال المرضى، ومياه وكهرباء، ومساكن، وفرص عمل، وأفق يشعر معه الشباب أن المستقبل ليس مجرد كلمة بعيدة.. لكن كل ذلك لن يكون ممكنًا من دون إجابة واضحة عن السؤال السياسي.
من يدير غزة؟ ومن يضمن أمنها؟ وكيف يتم تنظيم المرحلة الانتقالية؟ومن يتولى إعادة الإعمار؟ وكيف يمكن أن تكون غزة جزءا من مشروع فلسطيني أوسع بدل أن تبقى ساحة مفتوحة لجولات جديدة من الصراع؟ هذه الأسئلة ليست تفاصيل تأتي بعد الاتفاق وإنما هي جزء من الاتفاق نفسه.
فوقف إطلاق النار الذي لا يصاحبه تصور لليوم التالي قد يتحول إلى مجرد استراحة مؤقتة تنتظر فيها الأطراف الجولة القادمة. وهنا يجب أن تكون الأولوية هي منع العودة إلى نقطة الصفر.. لا يكفي أن تتوقف الأسلحة بل يجب أن تتغير الظروف التي تجعل استخدامها ممكنا مرة أخرى.
وهذا يتطلب مسارا سياسيا واضحا، وتفاهمات أمنية قابلة للتنفيذ وإرادة حقيقية لإعادة الإعمار ودورا دوليا لا يقتصر على تقديم المساعدات وإنما يساعد على تثبيت الاستقرار.
أما الفلسطينيون فهم أمام لحظة تحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية السياسية.. فبعد كل هذه الخسائر لا يمكن أن يكون المستقبل مجرد استمرار للانقسام أو إعادة إنتاج الصراع بالشكل نفسه. غزة تحتاج إلى إدارة قادرة على توفير الخدمات وحماية الناس وتحتاج القضية الفلسطينية كلها إلى رؤية سياسية تعيد ترتيب الأولويات وتجمع الصف بدل أن تزيد الانقسام.. وفي المقابل فإن إسرائيل أمام سؤال لا يقل أهمية: ماذا تريد من اليوم التالي؟ إذا كان الهدف هو الأمن فإن الأمن الدائم لا يصنعه القصف وحده. وإذا كان الهدف منع تكرار الهجمات فإن المطلوب ليس فقط معالجة النتائج وإنما الوصول إلى ترتيبات تمنع تكرار الأسباب التي تدفع المنطقة إلى دورة جديدة من العنف.. الأمن الحقيقي لا يعني أن يعيش طرف في خوف دائم من الطرف الآخر وإنما أن توجد قواعد واضحة تمنع العودة إلى الحرب.. وهنا يأتي دور المجتمع الدولي.. إعادة إعمار غزة لن تكون مشروعا هندسيا فقط. إنها ستكون اختبارا لقدرة العالم على تحويل التعهدات إلى واقع. الأموال مهمة لكن الأهم هو وجود خطة واضحة وشفافية في التنفيذ وآليات تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه وتربط إعادة البناء بمسار سياسي يمنح الناس أملا حقيقيا. فماذا يعني أن نبني بيتا جديدا إذا كان صاحبه لا يعرف هل سيظل آمنا؟ وماذا يعني أن نعيد بناء مدرسة إذا كان الطفل لا يعرف هل سيستطيع الذهاب إليها غدًا؟
إعادة الإعمار تبدأ عندما يشعر الإنسان أن ما سيبنى اليوم لن يهدم غدا.. وهذا هو جوهر القضية…لقد دفعت غزة ثمنا هائلا من الدم والدمار ولذلك فإن أي حديث عن المستقبل يجب أن ينطلق من الإنسان لا من الخرائط وحدها..الطفل الذي عاش الحرب يحتاج إلى مدرسة لكنه يحتاج أيضا إلى شعور بالأمان…والشاب الذي فقد عمله يحتاج إلى وظيفة لكنه يحتاج كذلك إلى أفق .. والأسرة التي فقدت منزلها تحتاج إلى مسكن لكنها تحتاج قبل ذلك إلى أن تصدق أن هناك حياة مستقرة يمكن أن تبدأ.. لهذا فإن السلام الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الأيام التي لم تطلق فيها النار وإنما بقدرة الناس على بناء حياة طبيعية دون خوف من عودة الحرب.
قد تتوقف المدافع في يوم لكن آثار الحرب ستظل سنوات.
وقد تبدأ عملية إعادة الإعمار غدا لكنها تحتاج إلى سنوات.
أما بناء الثقة فقد يحتاج إلى جيل كامل.. ومن هنا فإن اختبار اليوم التالي لن يكون في قدرة الأطراف على توقيع اتفاق فقط وإنما في قدرتها على الالتزام به وتحويله إلى حياة يلمسها الناس.. فالهدنة قد توقف الرصاص لكن السياسة هي التي تمنع عودته والسلام لا يصبح حقيقيا عندما تتوقف الحرب فقط وإنما عندما يصبح الذهاب إليها مرة أخرى أصعب من الاستمرار في السلام.. وفي النهاية غزة ليست مجرد ملف على طاولة المفاوضات ولا ورقة في صراع إقليمي، ولا ساحة تختبر فيها القوى نفوذها.

غزة وطن يعيش فيه بشر ومن حق هؤلاء البشر أن يعرفوا كيف سيكون الغد. وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.

ليس السؤال فقط: كيف ننهي الحرب؟

بل السؤال الأصعب: كيف نبني مستقبلا لا تكون فيه الحرب هي الاحتمال الأقرب؟