عصر المصالح المتحركة .. بقلم: شحاتة زكريا
لم يعد العالم كما عرفناه قبل سنوات قليلة. فالقواعد التي حكمت العلاقات الدولية لعقود طويلة لم تعد بنفس الصلابة والتحالفات التي بدت يوما وكأنها ثابتة لا تتغير أصبحت أكثر مرونة، بل وأكثر قابلية لإعادة التشكيل وفقا للمتغيرات والمصالح. نحن نعيش اليوم في ما يمكن وصفه بعصر المصالح المتحركة حيث تتقدم البراغماتية على الشعارات وتصبح المصالح الوطنية هي المحرك الرئيسي لكثير من القرارات والمواقف.. في الماضي كانت الخريطة السياسية الدولية تبدو أكثر وضوحا. كان العالم منقسما إلى معسكرات وتحالفات يمكن التنبؤ بسلوكها إلى حد كبير. أما اليوم فقد أصبح المشهد أكثر تعقيدا. فالدول التي تتعاون في ملف معين قد تختلف بشدة في ملف آخر والشركاء الاقتصاديون قد يكونون خصوما سياسيين والخصوم التقليديون قد يجدون أنفسهم مضطرين إلى التعاون عندما تفرض المصالح ذلك.. هذا التحول لا يعني غياب المبادئ بالكامل لكنه يعكس حقيقة أن عالم السياسة الدولية تحكمه في النهاية حسابات المصالح أكثر مما تحكمه العواطف أو المواقف المعلنة. فالدول بخلاف الأفراد لا تتخذ قراراتها بناء على المشاعر وإنما وفقا لما تراه محققا لأمنها واستقرارها ومكانتها ومصالحها الاستراتيجية .. وقد كشفت السنوات الأخيرة عن حجم التحولات التي يشهدها النظام الدولي. فالأزمات الاقتصادية العالمية والتطورات التكنولوجية المتسارعة والصراعات الإقليمية والتنافس على مصادر الطاقة كلها عوامل دفعت الدول إلى إعادة النظر في كثير من حساباتها القديمة. لم يعد من السهل التمسك بتحالفات جامدة أو مواقف ثابتة في عالم تتغير معادلاته بوتيرة غير مسبوقة.
ولعل ما يميز عصر المصالح المتحركة أن القوة نفسها لم تعد تقاس بالمفاهيم التقليدية فقط. فالقوة العسكرية ما زالت مهمة لكنها لم تعد العامل الوحيد في معادلة النفوذ. الاقتصاد والتكنولوجيا والقدرة على التأثير الثقافي والتحكم في سلاسل الإمداد العالمية أصبحت جميعها عناصر أساسية في تحديد مكانة الدول وتأثيرها.. كما أن الثورة التكنولوجية غيرت طبيعة التنافس بين القوى الدولية. فالصراع لم يعد يدور فقط حول الحدود أو الموارد الطبيعية بل أصبح يمتد إلى مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتكنولوجيا المتقدمة. ومن يمتلك المعرفة والقدرة على الابتكار يملك اليوم أوراق قوة قد تعادل في أهميتها ما كانت تمثله الجيوش والأساطيل في الماضي.. وفي ظل هذه التحولات أصبحت المرونة السياسية إحدى أهم أدوات النجاح. فالدول التي تستطيع قراءة المتغيرات بدقة والتكيف معها تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها وتحقيق أهدافها. أما الدول التي تتعامل مع العالم بعقلية جامدة فقد تجد نفسها خارج حسابات الواقع الجديد.. غير أن المرونة لا تعني التخلي عن الثوابت أو التفريط في المصالح الوطنية بل تعني القدرة على اختيار الوسائل المناسبة لتحقيق الأهداف في بيئة متغيرة. فالفارق كبير بين دولة تتكيف مع المتغيرات حفاظًا على مصالحها ودولة تتخلى عن مصالحها بسبب سوء التقدير أو غياب الرؤية.. ومن هنا تبرز أهمية امتلاك رؤية استراتيجية طويلة المدى. فالمصالح المتحركة لا تعني السير بلا اتجاه وإنما تعني التحرك وفق بوصلة واضحة تحدد الأولويات والأهداف. والدول الناجحة هي التي تعرف ما تريد ثم تختار في كل مرحلة الأدوات والتحالفات التي تساعدها على تحقيق ذلك.. أما على مستوى منطقتنا العربية فإن التحديات الراهنة تؤكد أهمية هذا الفهم. فالمنطقة تمر بمرحلة شديدة الحساسية تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والسياسية بصورة غير مسبوقة. وفي مثل هذه الظروف تصبح القدرة على إدارة المصالح وتحقيق التوازنات عاملا أساسيا في الحفاظ على الاستقرار وتعزيز فرص التنمية. كما أن المواطن العادي بات أكثر ارتباطا بهذه التحولات مما كان عليه الحال في السابق. فالعالم أصبح مترابطًا بصورة تجعل أي أزمة اقتصادية أو سياسية أو تكنولوجية في منطقة ما قادرة على ترك آثارها في مناطق أخرى خلال وقت قصير. ولهذا فإن فهم طبيعة النظام الدولي الجديد لم يعد شأنا يخص المتخصصين فقط بل أصبح جزءا من الوعي المطلوب لمواكبة العصر.. وفي النهاية فإن عصر المصالح المتحركة ليس ظاهرة عابرة بل يبدو أنه السمة الأبرز للمرحلة الحالية من تطور النظام الدولي. وهو عصر يفرض على الدول أن تكون أكثر يقظة وأكثر قدرة على قراءة المشهد العالمي وأكثر استعدادا للتعامل مع المتغيرات المتسارعة.. لقد انتهى زمن اليقين المطلق في السياسة الدولية وحل محله زمن تتغير فيه الحسابات باستمرار وتتبدل فيه الأولويات وفقًا لموازين القوة والمصلحة. وفي مثل هذا العالم لا يكفي أن تمتلك الموارد أو الإمكانات بل يجب أن تمتلك أيضا القدرة على الفهم والتخطيط والتحرك في الوقت المناسب..ففي عصر المصالح المتحركة، لا ينجح الأقوى فقط ولا الأكبر حجما فقط وإنما ينجح قبل الجميع من يمتلك الرؤية، ويقرأ الواقع كما هو ويتعامل مع العالم بعقل مفتوح يدرك أن الثابت الوحيد في السياسة الدولية اليوم هو أن المصالح لا تتوقف عن الحركة.
