ما بين الردع والتفاوض ..بقلم: شحاتة زكريا
في العلاقات الدولية لا تبدأ الحروب دائما عندما تطلق الرصاصة الأولى ولا تنتهي بمجرد توقيع اتفاق على ورقة. فبين لحظة التصعيد ولحظة التسوية مساحة واسعة تتحرك فيها حسابات معقدة تتداخل فيها القوة مع السياسة والمصالح مع المبادئ والرسائل المعلنة مع ما يدور خلف الأبواب المغلقة. وفي قلب هذه المساحة يقف مفهومان شكلا عبر التاريخ معادلة إدارة الصراعات: الردع والتفاوض
قد يبدو المفهومان متناقضين للوهلة الأولى فالردع يوحي بالقوة والصلابة بينما يرتبط التفاوض بالحوار والبحث عن حلول وسط. لكن التجربة الدولية تثبت أن الفصل بينهما لم يعد ممكنا. فالدول لا تتفاوض لأنها ضعيفة بالضرورة ولا تلوح بالقوة لأنها تريد الحرب دائما. وفي كثير من الأحيان يكون الردع وسيلة لفتح باب التفاوض ويصبح التفاوض أداة للحفاظ على نتائج الردع ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
لقد تغيرت طبيعة الصراعات في القرن الحادي والعشرين. لم تعد المواجهات العسكرية وحدها هي التي تحدد موازين القوى، بل أصبحت العقوبات الاقتصادية، والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد وأمن الطاقة والأمن السيبراني أدوات لا تقل تأثيرا عن الجيوش. ولهذا أصبحت معادلات الردع أكثر تعقيدا لأن القوة لم تعد تُقاس بما تمتلكه الدول من سلاح فقط بل بقدرتها على الصمود اقتصاديا وحماية مصالحها والحفاظ على تماسكها الداخلي.. وفي المقابل لم يعد التفاوض مجرد لقاءات دبلوماسية أو بيانات مشتركة بل أصبح عملية طويلة لإدارة المصالح المتشابكة. فالعالم اليوم أكثر ترابطا من أي وقت مضى وأي أزمة كبرى لا تتوقف آثارها عند حدود طرفيها بل تمتد إلى الأسواق العالمية وإمدادات الغذاء والطاقة وحركة التجارة والاستثمار. لذلك فإن كلفة استمرار الصراع أصبحت في كثير من الأحيان أعلى من كلفة البحث عن تسوية.. لكن التفاوض الناجح لا يقوم على النوايا الحسنة وحدها، وإنما يحتاج إلى عناصر قوة تحمي نتائجه. فالطرف الذي يدخل إلى طاولة الحوار وهو يملك أوراقا اقتصادية وقدرات تكنولوجية وتحالفات متوازنة يكون أكثر قدرة على الدفاع عن مصالحه. أما من يذهب إلى التفاوض دون أدوات تأثير فإنه يجد نفسه مضطرا لقبول ما يُفرض عليه أكثر مما يشارك في صياغته.
ومن هنا فإن الردع الحقيقي لا يعني السعي إلى الحرب بل منعها. إنه بناء قدرة تجعل الطرف الآخر يعيد حساباته قبل اتخاذ أي خطوة قد تؤدي إلى التصعيد. ولهذا فإن الدول الرشيدة تستثمر في تعزيز قدراتها الدفاعية وفي الوقت نفسه تحافظ على قنوات الاتصال مفتوحة لأنها تدرك أن الاستقرار لا يتحقق بالقوة وحدها ولا بالحوار وحده وإنما بالتوازن بينهما…وتؤكد التحولات الدولية الراهنة أن هذا التوازن أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالأزمات الممتدة في مناطق مختلفة من العالم والتنافس بين القوى الكبرى، والصراعات حول الممرات البحرية، والطاقة، والتكنولوجيا، كلها تكشف أن إدارة الأزمات لم تعد تقوم على منطق الغلبة المطلقة بل على حسابات دقيقة تتجنب الانفجار الشامل وتحاول حماية المصالح الحيوية.. وفي هذا السياق تبرز أهمية الدبلوماسية بوصفها امتدادًا للقوة لا بديلا عنها. فالدبلوماسية الفاعلة لا تعمل في فراغ وإنما تستند إلى دولة قوية بمؤسساتها واقتصادها ومكانتها الإقليمية وثقة شركائها فيها. وعندما تتوافر هذه العناصر يصبح الحوار أكثر فاعلية وتصبح فرص الوصول إلى حلول مستدامة أكبر.
أما بالنسبة للدول التي تتوسط مناطق شديدة الحساسية فإن التحدي يتجاوز مجرد التعامل مع الأزمات ليصل إلى القدرة على منع انتقالها إلى الداخل والحفاظ على الاستقرار الوطني وسط بيئة إقليمية متقلبة. وهنا يصبح امتلاك رؤية استراتيجية تجمع بين قوة الردع وحكمة التفاوض ضرورة لا خيارا.. ولعل أهم درس يمكن استخلاصه من تجارب العقود الأخيرة هو أن القوة التي لا تحسن توظيفها سياسيا قد تتحول إلى عبء كما أن التفاوض الذي لا يستند إلى عناصر قوة يبقى هشا وقابلا للانهيار. لذلك فإن النجاح لا يتحقق بالميل الكامل إلى أحد الخيارين وإنما بفهم اللحظة وإدراك التوقيت والقدرة على استخدام كل أداة في مكانها الصحيح.
في النهاية لا يُقاس نجاح الدول بعدد المعارك التي خاضتها بل بعدد الأزمات التي استطاعت احتواءها وبقدرتها على حماية مصالحها دون استنزاف غير ضروري. فالحكمة السياسية ليست في اختيار الردع أو التفاوض بل في معرفة متى يكون الردع ضرورة ومتى يصبح التفاوض فرصة وكيف يمكن الجمع بينهما دون التفريط في الثوابت أو الانزلاق إلى مغامرات غير محسوبة.. وهكذا يبقى العالم محكوما بمعادلة دقيقة فالقوة تمنح التفاوض وزنه والتفاوض يمنح القوة معناها. وبينهما تصاغ القرارات الكبرى وترسم خرائط الاستقرار وتكتب فصول جديدة من تاريخ العلاقات الدولية.
