مصنعٌ لإعادة تدويرِ الوجوهِ التي لفظها التاريخ

78

كتبت د.ابتسام مصطفى

كلما اعتقد المصريون أن صفحة قد طُويت، وأن الزمن تجاوز مرحلة بعينها، فوجئوا بعودة الوجوه نفسها إلى الشاشات والمنصات وصفحات الجرائد، وكأن هناك مصنعًا لا يتوقف عن إعادة تدوير الوجوه السياسية والإدارية، يخرج المنتج القديم في عبوة جديدة، ويطلب من الناس أن يصدقوا أنه أصبح صالحًا لقيادة المستقبل.
الغريب أن بعض من كانوا جزءًا من منظومة تعرضت لانتقادات واسعة، أو ارتبطت أسماؤهم في الوعي العام بمرحلة مثيرة للجدل، يُقدَّمون اليوم باعتبارهم أصحاب الحكمة والخبرة، وكأن السنوات لم تحمل دروسًا، وكأن ذاكرة المصريين يمكن محوها بحوار تلفزيوني أو حملة علاقات عامة.
لا أحد يعترض على حق أي مواطن في ممارسة العمل العام وفق القانون، ولا على احترام أحكام القضاء. لكن هناك فرقًا هائلًا بين احترام القانون، وبين تلميع الصورة السياسية ومحاولة إعادة تسويق شخصيات سبق أن فقدت رصيدها لدى قطاع من الرأي العام.
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا هذا الإصرار على إعادة تدوير الوجوه؟
هل أصبحت مصر، بكل جامعاتها وخبراتها وشبابها، عاجزة عن إنتاج قيادات جديدة؟ أم أن البعض اعتاد الاستثمار في الأسماء القديمة لأنها أسهل من صناعة كوادر جديدة تمتلك رؤية مختلفة؟
إن أخطر ما في إعادة التدوير السياسية أنها لا تعيد إنتاج الأشخاص فقط، بل قد تعيد إنتاج العقلية نفسها، وآليات التفكير نفسها، وربما الأخطاء نفسها. فمن يؤمن بأن الحلول تأتي دائمًا من الماضي، سيظل أسيرًا للماضي، مهما رفع من شعارات التغيير.
المواطن لا يحتاج إلى حملات تجميل سياسي، بل يحتاج إلى نتائج. لا يعنيه بريق الظهور الإعلامي، بل يعنيه من يستطيع أن يقدم مشروعًا ورؤية وإنجازًا. أما أن تتحول الشاشات إلى ورش لإزالة الغبار عن وجوه قديمة وإعادة تقديمها على أنها اكتشاف جديد، فذلك لا يخدع إلا من يظن أن الشعوب بلا ذاكرة.
إن الدول التي تصنع المستقبل لا تفتح مصانع لإعادة تدوير الوجوه، بل تفتح أبوابها أمام الأفكار الجديدة والكفاءات الجديدة والقيادات التي تثبت نفسها بالعمل، لا بالحنين إلى الماضي.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة صريحة: إذا كانت التجارب القديمة قد حققت النجاح الذي يستحق العودة، فلماذا انتهى عهدها؟ وإذا كانت لم تحقق ذلك، فلماذا يُراد للمصريين أن يشتروا المنتج نفسه بعد تغيير الغلاف فقط؟
المشكلة ليست في عمر الوجوه… بل في إصرار البعض على بيع الماضي على أنه المستقبل.