المرونة… كلمة السر في عالم متغير .. بقلم: شحاته زكريا
لم يعد العالم كما عرفناه قبل سنوات قليلة. فما كان يعد ثابتا أصبح قابلا للتغيير وما كان يبدو مستقرا صار أكثر عرضة للتقلب. وبين أزمات اقتصادية متلاحقة وصراعات جيوسياسية، وثورات تكنولوجية متسارعة، وتحولات في موازين القوى، أصبح الثابت الوحيد هو أن العالم لا يكف عن التغير.. وفي خضم هذا المشهد لم تعد القوة تقاس فقط بحجم الاقتصاد أو عدد السكان أو الترسانة العسكرية وإنما بقدرة الدول والمؤسسات والأفراد على التكيف مع المتغيرات دون أن يفقدوا هويتهم أو أهدافهم. إنها المرونة المفهوم الذي تحول من مصطلح إداري إلى فلسفة لإدارة المستقبل.
فالمرونة ليست تراجعا عن المبادئ ولا تنازلا عن الثوابت كما يظن البعض. إنها القدرة على تغيير الوسائل مع ثبات الغايات وإعادة ترتيب الأولويات عندما تفرض الظروف واقعا جديدا دون أن يتحول ذلك إلى ارتباك أو فقدان للبوصلة..لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الدول التي امتلكت مرونة في إدارة أزماتها كانت الأكثر قدرة على تجاوزها. فمن استطاع إعادة توجيه موارده بسرعة وتعديل سياساته الاقتصادية وتنويع شراكاته الدولية وتقليل اعتماده على مصدر واحد للطاقة أو التجارة خرج من الأزمات بأقل الخسائر. أما من تمسك بالأساليب القديمة وكأن الزمن توقف عندها فقد وجد نفسه يدفع ثمن الجمود في عالم لا ينتظر أحدا.. والمرونة لا تعني أن تمتلك حلولا لكل المشكلات وإنما أن تمتلك القدرة على إنتاج حلول جديدة كلما تغيرت المعطيات. فالإدارة الناجحة ليست تلك التي تمنع الأزمات من الحدوث فهذا أمر يكاد يكون مستحيلا وإنما التي تحسن التعامل معها وتحولها إلى فرصة للمراجعة والتطوير.. وينطبق ذلك على الاقتصاد كما ينطبق على السياسة والتعليم والإدارة وسوق العمل. فالاقتصاد الذي يعتمد على قطاع واحد يظل أكثر عرضة للصدمات من اقتصاد متنوع. والمؤسسة التي لا تطور أدواتها تفقد قدرتها على المنافسة. والعامل الذي يكتفي بما تعلمه قبل عشر سنوات يجد نفسه خارج سوق يتغير كل يوم.
بل إن المرونة أصبحت اليوم شرطا أساسيا للاستثمار نفسه. فالمستثمر لا يبحث فقط عن الأسواق الكبيرة.بل عن البيئات القادرة على التكيف مع المتغيرات وعن التشريعات التي توازن بين الاستقرار والتطوير وعن مؤسسات تستجيب بسرعة للتحديات دون أن تدخل في دوامة البيروقراطية.
وعلى المستوى السياسي أصبحت المرونة أحد أهم عناصر نجاح العلاقات الدولية. فلم تعد التحالفات جامدة كما كانت ولم تعد المصالح ثابتة بالصورة التقليدية. العالم اليوم يتحرك وفق شبكة معقدة من المصالح المتداخلة والدول الذكية هي التي تدير علاقاتها بقدر كبير من التوازن دون أن تنجرف إلى الاستقطاب أو تعيش أسيرة لمعادلات الماضي.
غير أن الحديث عن المرونة لا يقتصر على الحكومات والمؤسسات بل يمتد إلى الإنسان نفسه. فالفرد الذي يمتلك القدرة على التعلم المستمر واكتساب مهارات جديدة والتعامل مع المتغيرات بثقة سيكون أكثر قدرة على النجاح من شخص يعتمد على خبراته القديمة وحدها. فالعالم لم يعد يكافئ من يعرف أكثر بل من يستطيع أن يتعلم أسرع ويتكيف أفضل.. وهنا تبرز أهمية التعليم بوصفه مصنعا للمرونة قبل أن يكون وسيلة للحصول على الشهادات. فالتعليم الحقيقي لا يملأ الذاكرة بالمعلومات فحسب وإنما يدرب العقل على التفكير، والتحليل، والابتكار، وحل المشكلات. وهي المهارات التي يحتاجها الإنسان في عالم تتغير وظائفه وتقنياته بوتيرة غير مسبوقة.. كما أن المرونة لا تكتمل إلا بوجود مؤسسات قوية. فالمؤسسات هي التي تحول الاستجابة للأزمات من ردود أفعال فردية إلى سياسات مدروسة. وكلما كانت مؤسسات الدولة أكثر كفاءة وأكثر قدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب ازدادت قدرتها على حماية الاستقرار وتحقيق التنمية.. وفي التجربة المصرية تبدو أهمية المرونة واضحة في التعامل مع محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد. فالحفاظ على التوازن في العلاقات الخارجية والاستمرار في تنفيذ مشروعات التنمية رغم التحديات الاقتصادية العالمية وتنويع الشراكات وتعزيز البنية الأساسية كلها تعكس إدراكا بأن العالم لم يعد يحتمل السياسات الجامدة أو الخيارات الأحادية.. لكن المرونة الحقيقية لا تكتمل إلا إذا صاحبها وضوح في الرؤية. فالاستجابة السريعة للأحداث لا تعني التحرك العشوائي بل تعني امتلاك هدف واضح مع الاستعداد الدائم لتعديل الوسائل كلما اقتضت الحاجة. فالدول التي تعرف إلى أين تريد أن تصل تستطيع أن تغير الطريق إذا أغلق أحد المسارات لكنها لا تغير وجهتها.. لقد أصبح القرن الحادي والعشرون قرنا لا يكافئ الأقوى فقط بل يكافئ الأكثر قدرة على التكيف. وهذه الحقيقة تفرض على الجميع دولًدا ومؤسسات وأفرادا أن يعيدوا النظر في أساليب التفكير والإدارة والعمل لأن النجاح لم يعد حكرا على من يملك الإمكانات الأكبر بل على من يحسن توظيفها في الوقت المناسب.. وفي النهاية يمكن القول إن المرونة ليست شعارا إداريا ولا مصطلحا اقتصاديا عابرا بل هي ثقافة متكاملة تبدأ من طريقة التفكير وتمر بأسلوب اتخاذ القرار وتنتهي بقدرة المجتمع على مواجهة المتغيرات دون أن يفقد توازنه. فالعالم سيظل يتغير، وربما بوتيرة أسرع مما نتوقع لكن الأمم التي تتسلح بالمرونة وتحافظ في الوقت نفسه على ثوابتها وهويتها هي وحدها القادرة على تحويل التحديات إلى فرص والمستقبل إلى مساحة أوسع للنجاح.
