د. ماك شرقاوي يكتب : “التحالف التركي–الباكستاني–السعودي: مصر بين الحذر وإعادة التموضع”

0

في الأسابيع الأخيرة برزت ملامح تقارب ثلاثي بين تركيا وباكستان والسعودية، وهو تحالف يُنظر إليه على أنه محاولة لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. هذا التحالف، الذي يجمع بين قوة اقتصادية كبرى مثل السعودية، وطموح سياسي وعسكري تركي، إضافة إلى ثقل باكستان النووي والعسكري، يثير تساؤلات عميقة حول انعكاساته على الدول المحورية في المنطقة، وعلى رأسها مصر. القاهرة، التي اعتادت أن تكون لاعباً أساسياً في المعادلات الإقليمية، تجد نفسها أمام مشهد جديد يتطلب قراءة دقيقة لمصالحها، وموازنة بين الحذر والانفتاح على فرص محتملة.

د. ماك شرقاوي يكتب : أزمة القيادة في البوليساريو.. الجزائر تنقلب على إبراهيم غالي وتعيد رسم ملامح الملف الصحراوي

التحالف الثلاثي يطرح نفسه كإطار للتعاون في مجالات متعددة، أبرزها الصناعات الدفاعية والطاقة، إضافة إلى تنسيق سياسي في ملفات حساسة مثل الأمن الإقليمي ومواجهة النفوذ الإيراني. تركيا تسعى من خلاله إلى تعزيز حضورها في العالم الإسلامي، وتوسيع دائرة تحالفاتها بعيداً عن التوترات مع الغرب. السعودية ترى فيه وسيلة لتقوية موقعها في ظل التحديات الإقليمية والدولية، بينما يمنح باكستان فرصة لتأكيد دورها كلاعب مهم في المعادلات الإسلامية والدفاعية. هذا التلاقي بين المصالح يفتح الباب أمام تحالف قد يتحول إلى قوة موازنة جديدة في المنطقة.

من منظور مصري، يثير هذا التحالف عدة مخاوف وفرص في آن واحد. المخاوف تتعلق بإمكانية أن يتحول إلى أداة ضغط سياسي في ملفات مثل ليبيا وشرق المتوسط، حيث تتقاطع مصالح القاهرة مع أنقرة بشكل مباشر. كما أن أي تعزيز للدور التركي في المنطقة قد يُقرأ في مصر باعتباره تحدياً لمكانتها التقليدية. في المقابل، لا يمكن إغفال أن التحالف قد يفتح فرصاً للتعاون الاقتصادي أو التنسيق الأمني، خاصة إذا ما تم توظيفه في مواجهة التحديات المشتركة مثل الإرهاب أو ضمان استقرار أسواق الطاقة. مصر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي، تدرك أن تجاهل هذا التحالف ليس خياراً، وأن التعامل معه يتطلب استراتيجية متوازنة تجمع بين الحذر والانفتاح.

الأبعاد الاستراتيجية للتحالف تتجاوز حدود الدول الثلاث، إذ يُنظر إليه كخطوة لإعادة تشكيل المشهد الإقليمي في مواجهة إيران، وربما كإطار لتعزيز النفوذ الإسلامي في مواجهة الضغوط الدولية. هذا يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة لتحالفات إقليمية لم تكتمل أو لم تستمر، لكنه في الوقت نفسه يعكس إدراكاً متزايداً لدى هذه الدول بضرورة بناء تكتلات جديدة لمواجهة التحديات. مصر، التي لطالما لعبت دوراً محورياً في صياغة التوازنات، تجد نفسها أمام سؤال جوهري: هل تنضم إلى هذا التحالف بشكل مباشر، أم تظل على مسافة مراقبة، مع محاولة الاستفادة من فرصه دون الانخراط الكامل فيه؟

في النهاية، يبقى التحالف التركي–الباكستاني–السعودي خطوة مهمة في إعادة رسم ملامح المنطقة. وبينما يفتح الباب أمام فرص اقتصادية واستراتيجية، يثير في الوقت نفسه مخاوف من تعقيد التوازنات القائمة. مصر، بحكم موقعها ودورها، ستظل تراقب بحذر، مع محاولة صياغة موقف يضمن مصالحها الوطنية ويحافظ على مكانتها الإقليمية. المشهد لا يزال في طور التشكل، لكن المؤكد أن القاهرة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام تحولات بهذا الحجم، بل ستسعى إلى إعادة التموضع بما يتناسب مع مصالحها ورؤيتها لمستقبل المنطقة.

د.ماك شرقاوي الكاتب الصحفي
والمحلل السياسي المختص بالشأن الأمريكي

رابط الحلقة :