في الآونة الأخيرة، برزت قضية مدينة سبتة الإسبانية إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، ليس فقط باعتبارها نقطة تماس بين أوروبا وإفريقيا، بل أيضاً كرمز لصراع أوسع يتداخل فيه الإعلام بالسياسة. الفيديو الأخير الذي تناول هذه القضية كشف عن مزاعم بوجود مؤامرة مرتبطة بدور قطر، حيث ظهر الإعلامي يوسف المعروف ببرنامجه “جو شو” وهو يهاجم المغرب بشكل مباشر، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً حول طبيعة هذا الهجوم وأهدافه. هذا المشهد يفتح الباب أمام قراءة معمقة للعلاقات المغربية–القطرية، وللتوازنات الإقليمية في شمال إفريقيا، خاصة في ظل حساسية موقع سبتة بالنسبة للمغرب وإسبانيا على حد سواء.
د. ماك شرقاوي يكتب : “التحالف التركي–الباكستاني–السعودي: مصر بين الحذر وإعادة التموضع”
المغرب يرى أن أي استهداف إعلامي من أطراف خارجية لا يمكن فصله عن سياق سياسي أوسع، إذ أن الهجوم الإعلامي يهدف إلى إضعاف موقفه في ملفات إقليمية حساسة مثل قضية الصحراء الغربية، والهجرة غير الشرعية، والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي. قطر، من جانبها، تُتهم بأنها تستخدم منصات إعلامية وشخصيات مؤثرة لتوجيه رسائل سياسية تخدم مصالحها، وهو ما يضع الإعلام في قلب الصراع الإقليمي. ظهور يوسف “جو شو” في هذا السياق ليس مجرد نقد عابر، بل يُقرأ في المغرب كجزء من حملة منظمة تستهدف صورته أمام الرأي العام العربي والدولي.
مدينة سبتة نفسها تمثل نقطة حساسة في العلاقات المغربية–الإسبانية، فهي أرض تحت السيادة الإسبانية لكنها تقع على الساحل المغربي، ما يجعلها محوراً دائماً للتوترات. أي تصعيد إعلامي أو سياسي حولها ينعكس مباشرة على العلاقات الثنائية، خاصة في ظل الملفات المعقدة المرتبطة بالهجرة والحدود والأمن. دخول قطر على خط هذه القضية عبر الإعلام يضيف بعداً جديداً، إذ يحولها من نزاع ثنائي إلى ملف إقليمي تتداخل فيه مصالح متعددة. هذا يثير تساؤلات حول ما إذا كانت قطر تسعى إلى إعادة صياغة دورها في شمال إفريقيا عبر أدوات إعلامية، أو أنها تستخدم هذه القضية كوسيلة ضغط في سياقات أخرى.
من منظور أوسع، تكشف هذه القضية عن تحول الإعلام إلى سلاح سياسي في المنطقة. لم يعد الإعلام مجرد ناقل للأخبار، بل أصبح أداة لتشكيل الرأي العام والتأثير على السياسات. مصر، التي تتابع هذه التطورات بحذر، تدرك أن الحرب الإعلامية باتت جزءاً من إدارة الأزمات الإقليمية، وأن أي استهداف لدولة عربية عبر الإعلام يمكن أن ينعكس على وحدة الموقف العربي. هذا يطرح تحدياً إضافياً أمام الدول العربية في كيفية التعامل مع الإعلام كأداة ضغط، وفي الوقت نفسه كوسيلة للدفاع عن مصالحها.
في النهاية، قضية سبتة كما ظهرت في الفيديو الأخير ليست مجرد نزاع محلي بين المغرب وإسبانيا، بل هي انعكاس لصراع أوسع تتداخل فيه السياسة والإعلام والمصالح الإقليمية. الهجوم الإعلامي الذي تقوده منصات مرتبطة بقطر يفتح الباب أمام نقاش حول دور الإعلام في تشكيل السياسات، وحول قدرة الدول العربية على مواجهة هذا النوع من الحملات. المغرب يجد نفسه في مواجهة تحدٍ مزدوج: الدفاع عن مصالحه في سبتة، والتصدي لحملة إعلامية تستهدف صورته ومكانته. وبينما يبقى المشهد معقداً ومفتوحاً على احتمالات متعددة، المؤكد أن الإعلام أصبح اليوم جزءاً لا يتجزأ من معادلة القوة في المنطقة، وأن التعامل معه يتطلب استراتيجيات جديدة تتجاوز الأساليب التقليدية.
د. ماك شرقاوي الكاتب الصحفي
والمحلل السياسي المختص بالشأن الأمريكي
رابط الحلقة :
