عندما يصبح الماء نفط القرن الحادي والعشرين.. بقلم: شحاته زكريا
في القرن العشرين كان النفط هو اللغة التي فهمتها القوة. من امتلكه امتلك طاقة تحرك المصانع وتدير الاقتصاد وتمنح الدول مساحة واسعة للمناورة والتأثير. ولهذا لم تكن آبار النفط مجرد مصادر للوقود بل تحولت إلى نقاط على خريطة السياسة الدولية دارت حولها تحالفات وصراعات وحسابات كبرى لكن العالم يتغير والمورد الذي قد يصبح أكثر حساسية في القرن الحادي والعشرين ليس بالضرورة ما يخرج من باطن الأرض وإنما ما تحتاج إليه الحياة نفسها كي تستمر.
الماء قد يبدو وضع الماء في الجملة نفسها مع النفط مبالغة لكنه في الحقيقة يعكس تحولا كبيرا في مفهوم القوة. فالمياه لم تعد قضية بيئية أو خدمية فقط وإنما أصبحت مرتبطة بالأمن الغذائي والطاقة والصناعة والاستقرار الاقتصادي والسياسي فلا زراعة بلا ماء، ولا غذاء، ولا صناعة، ولا مدن قادرة على الاستمرار من دونه ولهذا فإن الدولة التي تفقد قدرتها على تأمين مياهها لا تواجه أزمة في مورد واحد وإنما تواجه سلسلة من الأزمات تبدأ من الأرض وتنتهي عند حياة الإنسان السؤال لم يعد فقط: من يملك الماء؟ بل أصبح: من يستطيع أن يدير الماء بكفاءة؟
هذه هي المعادلة التي ستفرض نفسها بقوة خلال السنوات المقبلة فالدولة التي تهدر مواردها المائية ستصبح أكثر عرضة للضغط بينما الدولة التي تستطيع تقليل الفاقد وإعادة استخدام المياه، وتطوير الزراعة، وتحلية مياه البحر، وإدارة مواردها بالتكنولوجيا، ستكون أكثر قدرة على حماية اقتصادها واستقلال قرارها وهنا تدخل التكنولوجيا إلى قلب القضية.. التحلية، ومعالجة مياه الصرف، وإعادة الاستخدام، والري الحديث، والرقمنة، والاستشعار، والذكاء الاصطناعي في اكتشاف التسربات وإدارة شبكات المياه، كلها لم تعد أدوات تكميلية إنها تتحول إلى أدوات قوة وفي هذا المعنى،
قد تصبح التكنولوجيا بالنسبة للمياه شبيهة بما كانت عليه آبار النفط بالنسبة للطاقة: مصدرا جديدا للنفوذ والقدرة على الحركة.في مصر تبدو المسألة أكثر إلحاحا فالمياه ليست مجرد مورد من موارد الدولة وإنما أساس مباشر للأمن الغذائي والتنمية والاستقرار. وتشير البيانات الرسمية إلى أن نصيب الفرد من المياه أصبح في حدود 500 متر مكعب سنويا وهو مستوى يقع تحت خط الفقر المائي وفق المعايير الدولية فيما يعتمد الجزء الأكبر من الموارد المصرية على نهر النيل هذه الأرقام لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها أرقاما فنية فقط خلف كل رقم سؤال عن مستقبل الزراعة، والصناعة، والغذاء، والمدن، وقدرة الدولة على مواصلة التنمية ولهذا فإن قضية النيل ستظل في قلب الأمن المائي المصري لكن الخطأ أن نختزل مستقبل المياه في النيل وحده أو في سد النهضة وحده مصر تتحرك في اتجاه تنويع مصادر المياه، من خلال التحلية ومعالجة مياه الصرف وإعادة الاستخدام إلى جانب تحديث نظم الري ورفع كفاءة إدارة الموارد. وفي يوليو 2026 تم اعتماد خارطة طريق لتفعيل إدارة الموارد المائية غير التقليدية مع التركيز على التحلية والمعالجة والرقمنة وكفاءة الاستخدام وهذا تحول مهم؛ لأنه ينقل التعامل مع المياه من منطق مواجهة الأزمة إلى منطق بناء القدرة على المستقبل الأخطر أن الصراع على المياه في المستقبل لن يكون بالضرورة حربًا معلنة قد يبدأ بمشروع سد، أو اتفاقية، أو توسع زراعي، أو استثمار في حوض نهري، أو امتلاك تقنية متقدمة للتحلية والمعالجة وقد تكون المعركة اقتصادية أكثر منها عسكرية فالدولة التي تمتلك قدرة أكبر على إنتاج المياه بتكلفة أقل أو إعادة استخدامها بكفاءة أعلى، لن تكون أكثر أمنا فقط بل قد تمتلك ميزة اقتصادية وسياسية على غيرها.
وهنا يصبح الماء جزءا من المنافسة الدولية ليست المسألة أن دولة ستغلق صنبورا في وجه دولة أخرى وإنما أن القدرة على تأمين المياه قد تصبح واحدة من محددات قوة الدولة واستقلال قرارها لذلك يجب أن تتحول إدارة المياه إلى ثقافة دولة كاملة كل متر مكعب يتم توفيره يمكن أن يذهب إلى استخدام آخر وكل تسرب يتم اكتشافه هو مورد تم إنقاذه وكل فدان ينتج المحصول نفسه بمياه أقل يمثل مكسبا اقتصاديا المعادلة لم تعد تقوم على زيادة الموارد فقط وإنما على إدارة الطلب أيضا وهنا تصبح الزراعة الحديثة، والري الذكي، وإعادة استخدام المياه، والتحلية، وحماية الموارد الجوفية، عناصر متكاملة في منظومة واحدة.
لكن الأمن المائي لا يعني فقط بناء المزيد من المحطات والمشروعات إنه يعني أيضا بناء وعي جديد بقيمة الماء.
فالماء الذي نهدره اليوم لن نستطيع استعادته غدا بالطريقة نفسها ومن هنا تصبح دبلوماسية المياه جزءا من السياسة الخارجية. فالأنهار العابرة للحدود يمكن أن تكون مصدرا للتوتر، لكنها يمكن أيضا أن تكون بابا للتعاون إذا قامت العلاقات على قواعد واضحة ومصالح مشتركة وهنا تحتاج مصر إلى الجمع بين مسارين: حماية حقوقها ومصالحها وبناء قدراتها وبدائلها في الوقت نفسه فالقوة ليست أن تعتمد على مصدر واحد وتحرسه فقط القوة أن تحمي المصدر وتوسع البدائل، وتطور التكنولوجيا، وتقلل الهدر، وتبني اقتصادًا يستطيع التعامل مع الندرة لقد كان النفط عنوانا للقوة في القرن الماضي أما القرن الحادي والعشرون فقد يفرض عنوانا مختلفا عنوانا لا يتعلق بما نستخرجه من الأرض وإنما بما نستطيع أن نحافظ عليه فوقها.
وقد يأتي اليوم الذي لا تسأل فيه الدول عن حجم احتياطياتها النفطية قبل أن تسأل عن قدرتها على تأمين مياهها لأن النفط يمكن أن تتغير مصادره ويمكن أن تظهر له بدائل أما الماء فلا بديل له ولهذا قد لا يكون الماء هو نفط القرن الحادي والعشرين فقط بل قد يكون الاختبار الحقيقي لقدرة الدول على البقاء والنمو وصناعة المستقبل.
