الصين في القاهرة.. أبعد من زيارة رئيس.. بقلم :شحاته زكريا
في السياسة هناك فرق بين زيارة تأتي في موعدها وزيارة يأتي معها موعد جديد زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة في الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين لا تبدو مجرد مناسبة بروتوكولية للاحتفال بتاريخ طويل من العلاقات التوقيت نفسه يستحق التوقف عنده. العالم الذي بدأت فيه هذه العلاقات عام 1956 لم يعد موجودا اليوم ومصر والصين تتحركان داخل نظام دولي أكثر تعقيدا تتغير فيه موازين القوة بسرعة وتدخل فيه التجارة والاستثمار والممرات البحرية وحتى التكنولوجيا في صميم السياسة من هذه الزاوية يمكن فهم الزيارة بشكل مختلف.. الصين لا تنظر إلى مصر باعتبارها سوقا عربية كبيرة فقط ومصر لا تنظر إلى الصين باعتبارها مصدرا للاستثمارات والمشروعات فقط. المسألة أوسع من ذلك بكثير مصر بالنسبة إلى الصين تقع في نقطة شديدة الأهمية.
من القاهرة يمكن النظر إلى البحر المتوسط والبحر الأحمر وأفريقيا والخليج وقناة السويس تمنح هذا الموقع قيمة إضافية لا تحتاج إلى شرح طويل. وفي وقت أصبحت فيه حركة التجارة العالمية نفسها جزءا من الحسابات السياسية فإن الدولة التي تقع عند هذا الممر لا يمكن أن تكون بعيدة عن اهتمام بكين لكن هناك جانب آخر ربما يكون أكثر أهمية بالنسبة لمصر نفسها القاهرة تحتاج إلى أن تنتقل في علاقتها الاقتصادية مع الصين من مرحلة شراء المنتجات واستقبال بعض المشروعات إلى مرحلة أكثر تعقيدا الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا، وزيادة الصادرات، وربط الاستثمار بالسوقين الأفريقية والأوروبية وهنا تأتي المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها إحدى أهم نقاط الالتقاء بين مصالح البلدين فالمصنع الذي يعمل في مصر لا يضيف مجرد رقم إلى حجم الاستثمار. إذا كان إنتاجه موجها إلى أسواق أخرى وإذا استفاد من الموقع والموانئ والطاقة والعمالة فإنه يجعل مصر جزءا من سلسلة إنتاج دولية. وهذه النقلة هي التي ينبغي أن تحظى بالاهتمام الأكبر في أي حديث عن العلاقات المصرية الصينية.المشكلة أن الحديث عن الاستثمارات الأجنبية عندنا كثيرا ما يتوقف عند قيمة المشروع: كم مليون دولار؟ كم فرصة عمل؟ أين سيقام؟
لكن السؤال الأهم أحيانا هو ماذا سيبقى في البلد بعد أن يبدأ المشروع؟هل ستنتقل خبرة؟ هل ستتوسع قاعدة الموردين المحليين؟ هل ستزداد قدرة الشركات المصرية على التصدير؟ هل سيصبح العامل المصري أكثر ارتباطا بالتكنولوجيا الحديثة؟ وهل تتحول مصر إلى جزء من عملية الإنتاج نفسها لا مجرد محطة لتوزيع منتجات جاهزة؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد قيمة الشراكة في السنوات المقبلة ومن الناحية السياسية تبدو العلاقة أكثر إثارة للاهتمام مصر لا تتعامل مع الصين بمنطق استبدال شريك بشريك. وهذا أمر مهم في قراءة سياستها الخارجية. القاهرة لها علاقات تاريخية مع الولايات المتحدة وأوروبا وعلاقات عربية وأفريقية واسعة وتعمل في الوقت نفسه على تطوير علاقاتها مع الصين وروسيا وغيرها قد يرى البعض في ذلك محاولة للموازنة بين القوى الكبرى وربما يكون هذا صحيحا جزئيا لكنني أعتقد أن الصورة أبسط مصر تحاول أن تترك لنفسها أكثر من باب مفتوح وهذا ليس ترفا في عالم تتغير فيه التحالفات والمصالح بسرعة الدول لا تستطيع أن تعرف اليوم كيف سيكون شكل الاقتصاد العالمي بعد خمس سنوات ولا كيف ستتطور المنافسة بين الولايات المتحدة والصين ولا إلى أين ستذهب أسعار الطاقة ولا كيف ستتغير طرق التجارة. ولذلك فإن تنويع العلاقات يصبح في حد ذاته نوعا من الحماية الصين من جانبها تبدو أكثر اهتماما بالشرق الأوسط لكن القاهرة ليست مجرد محطة في هذا الاهتمام.
بكين تحتاج إلى علاقات مستقرة مع دول تستطيع أن تتحدث معها في أكثر من ملف ومصر لديها هذه القدرة بحكم موقعها وعلاقاتها العربية والأفريقية والدولية. كما أن القاهرة تمتلك وزنا سياسيا يجعل التواصل معها مفيدا في قضايا تتجاوز حدودها وهنا تلتقي المصالح في الملفات الإقليمية قد تختلف وجهات النظر بين مصر والصين في بعض التفاصيل لكن هناك مساحة واسعة للتنسيق خصوصا في الدعوة إلى الاستقرار واحترام سيادة الدول ورفض تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للصراع وهذا يكتسب أهمية خاصة في وقت تدفع فيه أزمات الشرق الأوسط العالم كله إلى إعادة النظر في حساباته. غزة واحدة من هذه الملفات والبحر الأحمر ملف آخر والسودان والقرن الأفريقي كذلك كل هذه الأزمات تجعل الموقع المصري أكثر أهمية بالنسبة إلى القوى الدولية وتجعل القاهرة في حاجة إلى علاقات متعددة تستطيع من خلالها حماية مصالحها والتأثير ولو بقدر في البيئة المحيطة بها لكن علينا أيضا ألا نبالغ في قراءة الزيارة فالعلاقات الدولية لا تُبنى بالصور وحدها ولا بالبيانات المشتركة مهما كانت عباراتها قوية. الزيارة الناجحة هي التي تتحول بعدها الاتفاقات إلى مشروعات والمشروعات إلى إنتاج، والإنتاج إلى صادرات، والتعاون السياسي إلى قدرة حقيقية على مواجهة الأزمات وهذا هو الاختبار أمام القاهرة وبكين هناك فرصة كبيرة لكن الفرصة وحدها لا تكفي مصر تريد استثمارات ذات قيمة مضافة وليس مجرد أموال تدخل الاقتصاد ثم تخرج منه. والصين تريد بيئة مستقرة وموقعًا اقتصاديا يمكن الاعتماد عليه لسنوات طويلة. وبين الهدفين مساحة واسعة يمكن البناء عليها، إذا أحسن الطرفان إدارة العلاقة والأهم أن مصر تدخل هذه المرحلة وهي تعرف شيئا تعلمته السياسة الدولية منذ زمن لا توجد دولة كبرى تقدم مصالحها مجانا ولا توجد شراكة ناجحة من طرف واحد لذلك فإن السؤال بعد مغادرة الرئيس الصيني القاهرة ليس ماذا قيل في قاعة الاجتماعات ولا كم مرة ظهرت أعلام البلدين في الصور السؤال الحقيقي سيظهر بعد أشهر وسنوات: ماذا تغير على الأرض؟
كم مصنعا جديدا بدأ الإنتاج؟ كم منتجا مصريا وصل إلى السوق الصينية أو إلى أسواق جديدة عبر الاستثمارات الصينية؟ كم تقنية انتقلت؟ وكم شركة مصرية أصبحت قادرة على الدخول في سلاسل التوريد العالمية؟ إذا حدث ذلك ستكون الزيارة قد تجاوزت بالفعل كونها زيارة رئيس.
أما إذا بقيت في حدود الاحتفال والبيانات فسوف نكون أمام مناسبة دبلوماسية جميلة لكنها عابرة وفي رأيي قيمة اللحظة الحالية أن البلدين لديهما ما يكفي من التاريخ لكي يتركا الاحتفال بالتاريخ وينشغلا بما هو أهم كيف تبدو الشراكة المصرية الصينية عندما نتحدث عن السنوات السبعين القادمة لا السبعين التي مضت؟ هنا يبدأ الجزء الأصعب من القصة وهنا أيضا يمكن أن تصبح القاهرة بالنسبة إلى بكين أكثر من محطة مهمة على الخريطة وأن تصبح الصين بالنسبة إلى مصر أكثر من شريك اقتصادي كبير.
أن تصبح العلاقة ببساطة شراكة لها عائد واضح على الطرفين.
